نيويورك 25 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – بدت سياسات حكومة الكيان الإسرائيلي العدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والمنطقة حاضرة بصورة لافتة في كلمات عدد من قادة الدول والحكومات خلال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي بدأت في نيويورك في 22 سبتمبر الجاري وتستمر حتى 28 منه.
وتراوحت المواقف بين المطالبة بإدانة ووقف الحرب في غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير والضم والاستيطان في الضفة الغربية، والدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وصولا إلى التحذير من امتداد الصراع إلى لبنان وسوريا وإيران وتهديد الاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، دافعت حكومة الكيان الإسرائيلي عن سياساتها وعملياتها العسكرية، بينما أكدت الولايات المتحدة دعمها لـما أسمته “إسرائيل وأمنها”، مع طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب رؤيته الخاصة – التي يصفها المراقبون بغير الواقعية – لإنهاء الحرب في غزة.
وبذلك لم تعد المناقشة أمام الجمعية العامة تدور حول غزة وحدها، بل اتسعت لتشمل مستقبل القضية الفلسطينية والنظام الإقليمي برمته.
-غوتيريش: القانون الدولي تحت الاختبار
ووضع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الإطار العام للنقاش، داعيا إلى وقف القتال وتدفق المساعدات الإنسانية، ومؤكدا أن القوة لا يمكن أن تكون الحكم النهائي في تحديد مصير الشعوب.
وقال إن ما أعقب هجمات السابع من أكتوبر أدى إلى مستوى من القتل والدمار في غزة وصفه بأنه غير مسبوق خلال سنوات عمله أمينا عاما، داعيا جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي وبالأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية.
وفي الضفة الغربية، حذر غوتيريش من أن العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي يقوض الطريق إلى السلام، داعيا إلى عدم السماح باختفاء حل الدولتين.
-عبدالله الثاني: غزة والضفة “وجهان لاستراتيجية واحدة”
ومن بين أكثر الخطابات حدة في تناول السياسات الإسرائيلية، جاء خطاب العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني.
وقال إن ما يحدث في الضفة الغربية ليس “سلسلة من الأحداث المنفصلة”، وإنما ممارسات مترابطة تشكل، في توصيفه، سياسة تهدف إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم، معتبرا التهجير القسري جريمة حرب.
ورفض الملك عبدالله الفصل بين غزة والضفة الغربية، معتبرا أن ما يجري في القطاع من تدمير، وما يجري في الضفة من ضم فعلي للأراضي، يمثلان وجهين لاستراتيجية واحدة.
وأعطى الخطاب بعدا إقليميا أوسع، إذ تناول كذلك التطورات في جنوب سوريا، محذرا من انعكاسات السياسات الإسرائيلية على الأمن والاستقرار في المنطقة ومؤكدا أن الإجراءات المتخذة حتى الآن كانت مجرد حبر على ورق.
-ماكرون: “مشهد يخجلنا جميعًا”
وفي الجانب الأوروبي، اتخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفا واضحا في كلمته أمام الجمعية العامة.
وقال إن ما يجري في غزة يمثل مشهدا “يخجلنا جميعا”، متسائلا عن قيمة مصداقية المجتمع الدولي إذا ظل عاجزا عن التحرك أمام الوضع الإنساني هناك.
كما انتقد السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وحذر من أن استمرار الاستيطان يهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وكان الموقف الفرنسي قد اتخذ قبل اجتماعات الجمعية العامة بُعدا عمليا أيضا، إذ اتفقت فرنسا وبريطانيا وكندا على إجراءات لمنع السلع والخدمات المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية.
-بريطانيا: أمن إسرائيل لا يبرر سياساتها في غزة والضفة
وكان الموقف البريطاني لافتًا بدوره. فقد أكد رئيس الوزراء آندي برنهام أن بريطانيا “تقف إلى جانب إسرائيل واليهود في مواجهة التهديدات”، لكنه قال في الوقت نفسه “إن ذلك لا يبرر أفعال الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية”.
وحذر برنهام من أن استمرار المعاناة الفلسطينية يهدد إمكانية قيام دولتين، وانتقد مشروع مستوطنة (إي 1) قرب القدس المحتلة، معتبرا أنه يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت قبل اجتماعات الجمعية العامة إجراءات لحظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية، واتخاذ تدابير تستهدف أشخاصا وشركات تدعم نشاط الاستيطان، إلى جانب عقوبات على مستوطنين متهمين بأعمال عنف ضد الفلسطينيين.
-إسبانيا: انتقاد مباشر لحكومة نتنياهو
أما رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، فكان أكثر مباشرة في توصيفه لما يجري في غزة، مجددا استخدامه تعبير “الإبادة الجماعية” في وصف أفعال حكومة الكيان الإسرائيلي، وداعيا إلى تحرك أوروبي.
ويأتي ذلك في سياق موقف إسباني اتسم خلال الفترة الماضية بتأييد قيام الدولة الفلسطينية وإدانة الحرب الإسرائيلية وسياسات الاحتلال والاستيطان.
-تركيا: الضغط على إسرائيل والاعتراف بفلسطين
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جعل القضية الفلسطينية محورا بارزا في كلمته، منتقدا عجز النظام الدولي عن وقف الحرب في غزة.
ودعا الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في مواقفها، وطالب بممارسة ضغط دولي على “إسرائيل” لإنهاء ما وصفه بالكارثة الإنسانية في غزة.
كما حذر من اتساع نطاق الحرب إلى دول المنطقة، مؤكدا أن تمدد الصراع إلى الدول المجاورة لن يخدم أحدا.
-قطر: غزة ولبنان وسوريا
وقال أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إن ما حدث في غزة يمثل، “إبادة جماعية”، وانتقد مستوى الاستجابة الدولية للكارثة الإنسانية.
وطالب دولة الاحتلال بوقف العمليات العسكرية والانسحاب من غزة ورفع الحصار والسماح بدخول المساعدات، كما تناول في خطابه الإجراءات الإسرائيلية في سوريا ولبنان، محذرا من أن طريقة تعامل المجتمع الدولي مع هذه الملفات ستكشف مدى تطبيق القانون الدولي بصورة متساوية على الجميع.
وأكدت قطر كذلك دعمها قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين.
موقف عربي وإسلامي يتجاوز الكلمات
ولم تقتصر المواقف العربية والإسلامية على خطابات الجمعية العامة. فقد اجتمع وزراء خارجية قطر ومصر والأردن والإمارات والسعودية وتركيا وإندونيسيا وباكستان في نيويورك، وأعربوا عن قلقهم العميق إزاء استمرار المعاناة الإنسانية في غزة، وطالبوا حكومة الكيان الإسرائيلي بتنفيذ التزاماتها المتعلقة بوقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية وإمدادات التعافي المبكر بصورة آمنة ومن دون عوائق.
وتتقاطع هذه المواقف في عدد من النقاط، أبرزها حماية المدنيين، ورفض التهجير، وضمان المساعدات، ورفض الاستيطان والضم، والحفاظ على حل الدولتين.
-البرازيل: أزمة غزة واختبار النظام الدولي
ومن خارج أوروبا والمنطقة العربية، وضع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا القضية الفلسطينية ضمن انتقاد أوسع لأداء النظام الدولي، داعيا إلى استعادة دور الأمم المتحدة بوصفها إطارا للسلام والتعاون الدولي.
وجاء موقف البرازيل متقاطعا مع مواقف دول أخرى في الدعوة إلى حماية المدنيين ووقف الحرب وإيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية.
-الدفاع عن الحرب ورفض الاتهامات
وفي المقابل، برر رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي، نتنياهو، ما تقوم به قوات الاحتلال وشن هجومًا على عدد من الحكومات والشخصيات التي تنتقد بلاده، ورد على الاتهامات المتعلقة بغزة والضفة الغربية.
وشهدت كلمته مغادرة عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة، في مشهد لفت اهتمام وسائل الإعلام الدولية، التي وصفته قائلة: ” لقد كان نتنياهو يخاطب مقاعدة خالية”.
-الولايات المتحدة: موقف مختلف
وفي المقابل، لم تنضم الولايات المتحدة كعادتها إلى موجة الانتقادات الدولية والعربية الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية حيث ركز الرئيس دونالد ترامب في كلمته أمام الجمعية العامة على رؤيته لإنهاء الحرب في غزة وعلى التطورات المتعلقة بإيران، وجدد استمرار دعمه لأمن إسرائيل، وأصر على زعمه بأنه طرف قادر على الدفع نحو تسويات في المنطقة.
-من غزة إلى المنطقة
وتكشف كلمات القادة والمواقف الرسمية التي برزت خلال الدورة الحادية والثمانين حتى الآن عن تحول واضح في نطاق النقاش.
فغزة تظل القضية المركزية، لكن النقاش امتد إلى الضفة الغربية والاستيطان والضم والقدس، ثم إلى لبنان وسوريا وإيران وأمن المنطقة.
وفي حين تختلف الدول في توصيفها للحرب وفي تحديد المسؤوليات والأدوات المطلوبة، فإن عددا كبيرا من المواقف التي ظهرت في الجمعية العامة وما حولها ركز على وقف القتال، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، ورفض التهجير والضم والاستيطان، والحفاظ على إمكانية إقامة دولة فلسطينية.
ومع استمرار المناقشة العامة حتى 28 سبتمبر، تظل خريطة المواقف مفتوحة أمام كلمات ومواقف جديدة قد تضيف إلى المشهد أو تكشف مزيدا من التباين بين الدول بشأن مستقبل غزة والضفة الغربية والقضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها. (الأنباء الليبية).