بنغازي 24 أغسطس 2026 (الأنباء الليبية)- أكد وزير الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة الليبية، الدكتور عبدالهادي الحويج، أن ليبيا بحاجة إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة حلها وبناء دولة مستقرة ودائمة المؤسسات، مشددًا على أن الحل للأزمة الليبية لن يكون إلا ليبيًا-ليبيًا، قائمًا على الإرادة الوطنية المستقلة واحترام سيادة الدولة ومؤسساتها.
جاء ذلك خلال كلمة الحويج في أعمال الجلسة الافتتاحية للقاء الإقليمي حول المتغيرات العالمية وانعكاساتها على المنطقة، بمشاركة دولية وحضور إقليمي، حيث أكد أن اللقاء يهدف إلى توفير فضاء للحوار المسؤول والتفكير المشترك والبحث عن مقاربات جديدة تساعد ليبيا على تجاوز سنوات الانقسام والانتقال إلى مرحلة بناء الدولة والاستقرار والتنمية.
وأوضح الحويج أن الأزمة الليبية حظيت خلال السنوات الماضية بالعديد من المؤتمرات واللقاءات والمبادرات وخرائط الطريق، معتبرًا أن المرحلة الراهنة لم تعد بحاجة إلى مزيد من التشخيص بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية للانتقال إلى الحل، وإنهاء المراحل الانتقالية وتوحيد مؤسسات الدولة.
وشدد على أن تعدد مراكز القرار لا يمكن أن يقود إلى دولة مستقرة، مؤكدًا ضرورة وجود مؤسسات وطنية موحدة وقادرة على ممارسة سلطتها على كامل التراب الليبي، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية أو توظيف ليبيا كساحة للصراعات والتنافس الإقليمي والدولي.
وأشار وزير الخارجية والتعاون الدولي إلى أن بناء الدولة يرتبط بصورة مباشرة بتحقيق الأمن والاستقرار، مستعرضًا ما قدمته ليبيا من تضحيات في مواجهة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة، ومؤكدًا أهمية دور المؤسسات العسكرية والأمنية في حماية الحدود وصون السيادة الوطنية وترسيخ الأمن.
وقال إن الأمن لا يمثل نقيضًا للديمقراطية، بل يشكل شرطًا أساسيًا لقيامها، موضحًا أن الانتخابات لا يمكن أن تكون ناجحة في ظل غياب الأمن، كما أن التنمية والاستقرار لا يمكن تحقيقهما دون مؤسسات قادرة على حماية المواطن والدولة.
وأكد الحويج أن إنهاء المراحل الانتقالية يتطلب التوصل إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة وشفافة ومتزامنة، بما يتيح للشعب الليبي اختيار من يمثله ويحكمه، ويؤسس لتداول سلمي على السلطة، مشددًا على ضرورة أن يكون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدلًا من السلاح.
وفي ملف المصالحة الوطنية، شدد الحويج على أنها يجب أن تكون مشروعًا لبناء الدولة، لا مجرد ترتيب مرحلي بين النخب، وأن تقوم على العدالة وجبر الضرر وعودة المهجرين والنازحين ومعالجة الملفات العالقة، بما يضمن عدم العودة إلى الصراعات ويعزز الثقة بين أبناء المجتمع.
ودعا إلى خطاب سياسي جديد يبتعد عن التحريض والكراهية والجهوية، ويرفض تقسيم الليبيين بين شرق وغرب وجنوب، مؤكدًا أن ليبيا شعب واحد ودولة واحدة ومصير مشترك، وأن التنوع والاختلاف السياسي يجب أن يتحولا إلى عنصر قوة يسهم في بناء الدولة بدلًا من أن يكونا مصدرًا للصراع والانقسام.
وأكد الحويج أهمية دور الأحزاب والقوى السياسية في دعم الاستقرار وفتح قنوات الحوار وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف، داعيًا الأحزاب المغاربية والعربية والأفريقية إلى أن تكون جسرًا للحوار وقوة مساندة للاستقرار، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف أو تقديم وصفات جاهزة للشأن الليبي.
كما دعا إلى الانتقال من اللقاءات السياسية الموسمية إلى مسار حزبي عربي وأفريقي دائم للحوار وبناء الثقة، يعمل بالتكامل مع الجهود الرسمية الليبية والإقليمية والدولية، ويسهم في تبادل الخبرات والتجارب السياسية والديمقراطية.
وأكد أن استقرار ليبيا لا يمثل قضية ليبية داخلية فقط، بل يرتبط بأمن محيطها المغاربي ومنطقة الساحل والصحراء والدول العربية وأفريقيا والبحر المتوسط، مشيرًا إلى أن عدم الاستقرار ينعكس على المنطقة من خلال مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.
وفي المقابل، رأى الحويج أن ليبيا الموحدة والمستقرة يمكن أن تتحول إلى جسر للتكامل بين المغرب العربي وأفريقيا والمتوسط، وقوة اقتصادية وتنموية فاعلة في المنطقة، داعيًا إلى التعامل مع ليبيا باعتبارها دولة فرص وإمكانات، وليس مجرد أزمة تحتاج إلى الاحتواء.
وأشار إلى أن مناطق واسعة من البلاد بدأت تستعيد الأمن والاستقرار وتشهد حركة في الإعمار والبناء وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات، معتبرًا أن تحقيق الأمن يفتح الطريق أمام البناء والتنمية، وأن استقرار المؤسسات يعزز ثقة المواطن في المستقبل.
وأكد الحويج أن ليبيا المستقبل التي يتطلع إليها الليبيون يجب أن تكون دولة حديثة ومستقرة وموحدة، ذات اقتصاد متنوع ومؤسسات قوية وإدارة رقمية وتعليم متطور ومدن آمنة ومستدامة، مع دور فاعل للشباب في صناعة القرار وعلاقات دولية متوازنة تقوم على المصلحة الوطنية والاحترام المتبادل.
وجدد الحويج التأكيد على أهمية الشراكة الدولية، شريطة أن تقوم على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشيدًا بالجهود والمبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى دعم الاستقرار وتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
واختتم الحويج بالتأكيد على ضرورة الانتقال من تشخيص الأزمة إلى صناعة الحل، ومن إدارة الانقسام إلى بناء الدولة، ومن الحوار إلى الثقة، ومن الثقة إلى التوافق، ومن التوافق إلى المستقبل، معربًا عن أمله في أن يسهم اللقاء الإقليمي في إطلاق مبادرات جديدة تخدم السلام والاستقرار والوحدة، وتعيد ليبيا إلى مكانتها الطبيعية في محيطها المغاربي والعربي والأفريقي والمتوسطي والدولي. (الأنباء الليبية) ك و