بنغازي 05 أغسطس 2026 (الأنباء الليبية) – مع اقتراب إعلان نتائج الشهادة الثانوية، يعيش آلاف الطلبة الليبيين وأسرهم حالة من الترقب لا تقتصر على معرفة المعدلات الدراسية، بل تمتد إلى اتخاذ أحد أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبلهم، وهو اختيار التخصص الجامعي، في وقت يشهد فيه سوق العمل تغيرات متسارعة تعيد رسم خريطة المهن والفرص.
ولم يعد هذا القرار مرتبطًا بالرغبة الشخصية أو بالمعدل الدراسي فحسب، بل أصبح يتطلب قراءة واعية لاحتياجات سوق العمل، والتخصصات القادرة على توفير فرص حقيقية للتوظيف، في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد الدكتور حلمي القماطي أن ليبيا تواجه منذ سنوات تحديًا يتمثل في تزايد أعداد الخريجين في بعض الكليات التقليدية، مثل الطب والهندسة والاقتصاد والعلوم، مقابل محدودية قدرة القطاع العام على استيعابهم، نتيجة تضخم الجهاز الإداري وارتفاع فاتورة الأجور، وهو ما أسهم، بحسب قوله، في اتساع دائرة البطالة بين الخريجين.
ويشير القماطي، في حديث لوكالة الأنباء الليبية، إلى أن سوق العمل الليبي يشهد، في المقابل، طلبًا متزايدًا على الكفاءات الفنية والتقنية، لا سيما في قطاعات النفط والغاز، والطاقة المتجددة، وتقنيات المعلومات، والاتصالات، والصيانة الصناعية، والأتمتة، واللحام، والكهرباء، والميكانيكا، والتبريد والتكييف، إلى جانب مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
ويضيف أن التوسع في مشروعات التنمية وإعادة الإعمار، إلى جانب التحول الرقمي الذي تشهده المؤسسات، يفتح آفاقًا واسعة أمام التخصصات التقنية والهندسية والصحية، ويجعلها من أكثر المجالات طلبًا خلال السنوات المقبلة.
ويدعو القماطي خريجي الثانوية العامة إلى عدم الانجراف وراء التخصصات التي تشهد إقبالًا كبيرًا دون دراسة احتياجات السوق، موضحًا أن التعليم التقني والفني يمثل في الدول المتقدمة ركيزة أساسية للإنتاج والتنمية، ويوفر فرصًا أسرع للتوظيف، ودخلًا مجزيًا، فضلًا عن إتاحة المجال لتأسيس مشاريع خاصة والعمل الحر.
ويؤكد أن اختيار التخصص ينبغي أن يستند إلى مجموعة من المعايير، في مقدمتها توافقه مع احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، وإمكانية العمل في القطاع الخاص، والقدرة على ممارسة المهنة بصورة مستقلة أو إنشاء مشروع خاص، إلى جانب مراعاة تأثير التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف، دون إغفال ميول الطالب وقدراته الشخصية، معتبرًا أن “النجاح يتحقق عندما يلتقي الشغف مع احتياجات السوق”.
كما يرى أن المنافسة في سوق العمل لم تعد تعتمد على المؤهل الجامعي وحده، بل أصبحت المهارات العملية، وإجادة اللغات، والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة، والحصول على الدورات التدريبية والشهادات المهنية، من العوامل الأساسية التي تمنح الخريج ميزة تنافسية وتزيد فرص نجاحه.
ويؤكد القماطي على أهمية تعزيز التعاون بين الجامعات ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص، بما يسهم في تطوير البرامج الأكاديمية وربطها بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني، وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية.
ويختتم القماطي حديثه بالتأكيد على أن الاقتصاد الليبي لم يعد بحاجة إلى مزيد من الباحثين عن الوظيفة الحكومية، بقدر حاجته إلى مهنيين وفنيين ومبتكرين ورواد أعمال قادرين على خلق فرص عمل جديدة والمساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني، موجهًا رسالة إلى خريجي الشهادة الثانوية دعاهم فيها إلى عدم اختيار التخصص الأكثر شهرة، بل التخصص الذي ينسجم مع قدراتهم ويلبي احتياجات سوق العمل، مؤكدًا أن مستقبل الوظائف سيكون أكثر ارتباطًا بالمهارات والكفاءة والابتكار. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: حنان الحوتي