الكفرة 29 يونيو 2026 (الأنباء الليبية) – في أقصى الجنوب الشرقي، حيث تطول المسافات وتشتد قسوة الجغرافيا، لم تعد رحلة السفر لأهالي مدينة الكفرة مجرد انتقال عابر من مكان إلى آخر، بل غدت معركة يومية يُحسب لها ألف حساب، وفي هذا الصدد، يبرز ملف النقل الجوي كقضية إنسانية ملحة تمس نبض الحياة والخدمات الأساسية في الواحة، وسط مريض يترقب جرعة علاج عاجلة، وطالب يخشى ضياع مستقبله الدراسي، وعائلات تُثقل كاهلها تكاليف المعيشة.
واقع مرير.. وعود مدنية بـ “شروط تعجيزية”
وفي تصريح لوكالة الأنباء الليبية، أكد المتحدث باسم المجلس البلدي الكفرة، عبد الله سليمان حامد، أن أهالي الكفرة استبشروا خيراً قبل عام مضى ببدء رحلات بعض شركات الطيران المدنية لإنهاء عزلة المدينة، إلا أن هذه الانفراجة لم تدم طويلاً؛ إذ غادرت بعض الشركات الأجواء سريعاً بحجج مختلفة.
وأوضح المتحدث باسم البلدي أن المعاناة الحقيقية تتمثل في استمرار شركات أخرى ولكن بسياسة أسعار صادمة أرهقت المواطن بشكل لا يُطاق؛ حيث بدأت أسعار التذاكر من 270 ديناراً، ثم قفزت تدريجياً وبشكل متسارع لتصل اليوم إلى 500 دينار للدرجة العادية و700 دينار للدرجة الأولى، مشيرا الى ان هذه الأسعار ستجبر الناس على العزوف عن السفر ما يؤدي لاحقا الى إلغاء الرحلات بداعي عدم وجود جدوى اقتصادية! هذا فضلاً عن كون هذه الرحلات غير مجدولة ولا يمكن الاعتماد عليها أو الحجز فيها إلا قبل موعدها بيوم واحد فقط”.
وأضاف المتحدث باسم المجلس البلدي أن بقية الشركات الوطنية الأخرى يقتصر حالها على عبارة “نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً”، في وقت تقتصر فيه بعض الرحلات الخاصة على نقل السيولة النقدية أو المهام النفطية، لتظل أزمة الطيران المدني تراوح مكانها وتُثقل جيوب مواطنين لا يملكون دفع نصف مرتبهم لتذكرة سفر واحدة.
“شريان الوفاء الصامت”.. ست سنوات من الصمود
وسط هذا الخذلان التجاري وتخلي الشركات المدنية، سلّط المتحدث باسم المجلس البلدي، عبد الله سليمان حامد، الضوء على رحلات النقل الجوي الإنساني والخدمي التي أطلق عليها الأهالي بكل عفوية وامتنان لقب “الحنونة”، مؤكداً أنها لم تتوقف عن خدمة الكفرة على مدار 6 سنوات متتالية، وتحديداً منذ عام 2020م.
وذكر حامد أنه في أوقات الأزمات، والأعياد، ومواسم العطلات الصيفية الخانقة، كانت هذه الرحلات تعمل بواقع رحلتين يومياً لتسد الثغرات وتخفف الآلام، مبيناً أنها بدأت رحلاتها مجاناً، وتتراوح قيمتها اليوم بين 50 إلى 100 دينار فقط، مراعاةً للظروف الإنسانية الصعبة للمواطنين.
وقال المتحدث باسم البلدي متسائلا: “دعونا نتخيل لو لم تكن هذه الرحلات الإنسانية المستمرة موجودة طيلة هذه السنوات.. كيف كان سيمضي مرضى الأورام وكبار السن؟ كيف كان حال العاجزين؟ ومن كان سينقل جثامين أحبتنا الراحلين أو يُسعف طلابنا وحجاجنا؟ إنها الطائرة التي غطت العجز وضمدت الجراح حين أدار الجميع ظهره للواحة”.
وفي تصريحه، وجّه المتحدث باسم المجلس البلدي الكفرة مناشدة عاجلة باسم أهالي الواحة إلى كافة الجهات المعنية ووزارة النقل والمواصلات بالتدخل الفوري، ووضع حد لهذه المعاناة عبر رؤية خدمية مستدامة تتلخص في نقطتين أساسيتين هما دعم قطاع النقل الجوي الخدمي والإنساني وتطويره لضمان استمرار هذه الرحلات المدعومة وعدم توقفها بأي حال من الأحوال، لأنها الملاذ الوحيد لغير القادرين على دفع التكاليف الباهظة، وإلزام شركات الطيران المدنية بتخصيص رحلة واحدة منتظمة ومجدولة أسبوعياً لكل شركة، وتحديد أسعار تذاكر معقولة ومخفضة تراعي الطبيعة الجغرافية والاجتماعية للكفرة، حتى لو كان ذلك على حساب أرباح الشركات.
واختتم عبد الله سليمان حامد تصريحه بتقديم شكر إلى كل الطواقم ومكاتب الحجز والتسفير الذين ثبتوا مع الأهالي وقت المحن وضمنوا استمرار حركة السفر الرمزية، معرباً عن أمله في أن تجد هذه الاستغاثة الإنسانية صدىً سريعاً يعيد للطيران الجوي في الجنوب روحه الخدمية المفقودة. (الأنباء الليبية) ص و.
متابعة: بشرى العقيلي