بنغازي 04 أبريل 2026 (الأنباء الليبية) – عاد ملف الغذاء إلى واجهة القلق الاقتصادي العالمي، بعد إعلان منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) ارتفاع أسعار السلع الغذائية العالمية للشهر الثاني على التوالي خلال مارس، في مؤشر يراه مختصون تحولًا لافتًا في مسار الأسواق الدولية، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة.
ورغم أن الارتفاع الظاهر في المؤشرات قد يبدو، في ظاهره، مجرد حركة دورية في الأسعار، إلا أن قراءته الاقتصادية تكشف، بحسب مختصين، عن بداية موجة تضخمية جديدة تتجاوز حدود الأسواق العالمية، لتطال بشكل مباشر الدول المستوردة للغذاء، وفي مقدمتها ليبيا.
من التراجع إلى الارتفاع.. ماذا يعني ذلك؟
وفق تقرير منظمة “فاو”، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمية بنسبة 2.4% خلال مارس مقارنة بالشهر السابق، بعد فترة من التراجع استمرت عدة أشهر، كما سجل ارتفاعًا سنويًا بنسبة 1%، وهو ما اعتبره خبراء إشارة واضحة إلى انتقال الأسواق من حالة انكماش نسبي إلى ضغوط تضخمية جديدة.
ويرى رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور حلمي القماطي أن هذا التحول لا يمكن النظر إليه بوصفه تقلبًا عابرًا، بل يعكس “عودة موجة تضخمية غذائية جديدة مدفوعة بصدمات العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا”.
وأضاف القماطي، في قراءة خاصة لـ”الأنباء الليبية”، أن “الارتفاع الحالي لا يرتبط فقط بزيادة الطلب، بل هو تضخم مدفوع بالعرض، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتكلفة الأسمدة، واضطراب سلاسل الإمداد الدولية”.
في قلب هذه الأزمة، تقف الطاقة بوصفها العامل الأكثر تأثيرًا. فالغذاء، كما يوضح اقتصاديون، ليس قطاعًا معزولًا عن النفط والغاز، بل يعتمد عليهما بشكل كثيف في الزراعة والتصنيع والنقل والتخزين.
ويشير القماطي إلى أن “ارتفاع أسعار النفط والغاز ينعكس تلقائيًا على تكلفة إنتاج الغذاء عالميًا، سواء من خلال الوقود أو الأسمدة أو الشحن البحري”، معتبرًا أن ما يجري حاليًا هو “انتقال مباشر للتضخم من قطاع الطاقة إلى قطاع الغذاء”.
ولا يتوقف الأمر عند الطاقة وحدها، إذ أسهمت أيضًا الاضطرابات المناخية في بعض الدول الزراعية الكبرى، إلى جانب تراجع استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع أسعارها، في تقليص توقعات الإنتاج الزراعي، ما زاد من هشاشة المعروض العالمي.
كما لعبت التحولات في استخدام بعض المحاصيل الزراعية دورًا إضافيًا في الضغط على الأسعار، خصوصًا مع توجيه جزء من الإنتاج نحو الوقود الحيوي بدلًا من الاستهلاك الغذائي.
التواتر الدولي.. التأثير الأكبر الآن
غير أن العامل الأكثر حساسية، بحسب متابعين، يظل التواتر الدولي، خاصة في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وما يرافقها من مخاوف مرتبطة بالطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، أوضح القماطي أن “الحرب أو التوتر في الشرق الأوسط لا يرفع فقط أسعار النفط، بل يربك حركة التجارة العالمية ويضاعف تكاليف النقل والتأمين والشحن”، لافتًا إلى أن أي اضطراب في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز من شأنه أن ينعكس بسرعة على أسعار الغذاء والأسمدة والطاقة معًا.
وبحسب هذه القراءة، فإن العالم يواجه اليوم تضخمًا غذائيًا بطابع جيوسياسي، وهو ما يجعل الأسواق أقل قدرة على امتصاص الصدمات، خصوصًا في الدول الهشة اقتصاديًا.
ليبيا في مرمى الارتدادات
إذا كانت هذه التطورات تشكل مصدر قلق عالمي، فإن انعكاساتها على ليبيا تبدو أكثر حساسية، بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد المحلي واعتماده شبه الكامل على الخارج في تأمين السلع الغذائية الأساسية.
ويؤكد القماطي أن “قناة انتقال الأزمة إلى ليبيا واضحة ومباشرة، وهي الاستيراد”، مضيفًا أن “أي ارتفاع عالمي في أسعار الغذاء ينعكس، بدرجات متفاوتة، على السوق الليبية خلال فترة قصيرة”.
السلع الأكثر عرضة للارتفاع
بحسب مختصين، فإن أكثر السلع المعرضة للتأثر في السوق الليبية هي القمح والدقيق والزيوت النباتية والسكر
الحبوب والسلع الغذائية المرتبطة بالشحن الخارجي
وهي السلع نفسها التي تتأثر بسرعة بأي اضطراب في الأسعار العالمية أو تكاليف النقل والتوريد.
ويرى مراقبون أن ذلك قد يفتح الباب أمام موجة تضخم غذائي داخلي جديدة، خاصة إذا تزامن مع اختلالات محلية في التوزيع أو التسعير أو الاعتمادات.
بعيدًا عن الأسعار المباشرة، يثير هذا المشهد أيضًا أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بـ الأمن الغذائي في ليبيا، في ظل استمرار ضعف الإنتاج المحلي وغياب سياسة زراعية قادرة على تخفيف الاعتماد على الواردات.
ويحذر القماطي من أن “ليبيا من أكثر الدول عرضة لصدمة الغذاء عالميًا، بسبب هشاشة بنيتها الإنتاجية واعتمادها المرتفع على الأسواق الخارجية”، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار العالمية يعني أيضًا ارتفاع فاتورة الواردات الغذائية، واحتمال تعرض بعض السلع إلى نقص مؤقت أو اضطراب في الإمداد.
وفي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتغطية احتياجاته الأساسية، فإن أي خلل خارجي يتحول سريعًا إلى ضغط داخلي على الأسواق والأسر.
الأثر الأوضح، في مثل هذه الحالات، يظهر عادة عند المستهلك. فكلما ارتفعت أسعار الغذاء، تقلصت القدرة الشرائية، خصوصًا لدى الشرائح ذات الدخل المحدود والمتوسط.
ويشير القماطي إلى أن “نظرية إنجل الاقتصادية تفسر بوضوح ما يحدث في الحالة الليبية، إذ كلما انخفض دخل الأسرة ارتفعت نسبة ما تنفقه على الغذاء”، ما يعني أن أي زيادة في الأسعار ستنعكس مباشرة على معيشة المواطن.
وبحسب هذه المعادلة، فإن ارتفاع أسعار الغذاء لا يعني فقط زيادة الإنفاق، بل قد يقود أيضًا إلى ,تآكل القوة الشرائية
تراجع القدرة على تغطية الاحتياجات الأخرى واتساع الضغط الاجتماعي والمعيشي وارتفاع معدلات الفقر غير المعلن والضغط على الدولار وسعر الصرف,
ولا تنتهي التأثيرات عند السوق الاستهلاكية، بل تمتد إلى الجانب النقدي أيضًا, فارتفاع أسعار الغذاء عالميًا يعني، عمليًا، حاجة أكبر إلى العملة الصعبة لتغطية الواردات.
وفي هذا الإطار، يلفت القماطي إلى أن “زيادة تكلفة الاستيراد سترفع الطلب على الدولار، وهو ما قد يضيف ضغوطًا جديدة على سعر الصرف في السوق الموازية”، مؤكدًا أن ذلك سيجعل مهمة مصرف ليبيا المركزي أكثر تعقيدًا في ما يتعلق بكبح التضخم وضبط الكتلة النقدية وحماية القدرة الشرائية.
أزمة عالمية.. واختبار محلي
في المحصلة، لا يبدو ارتفاع أسعار الغذاء العالمية حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه بقراءة رقمية سريعة، بل يمثل، وفق هذه المؤشرات، مقدمة لموجة تضخمية جديدة قد تكون أكثر وطأة على الدول التي تعتمد على الخارج في تأمين غذائها.
وفي الحالة الليبية، تتضاعف المخاطر بسبب هشاشة الأمن الغذائي، وضعف الإنتاج المحلي، وارتباط السوق الداخلية بتقلبات الخارج وسعر الصرف.
وبحسب قراءة رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور حلمي القماطي، فإن ما يشهده العالم اليوم “ليس مجرد ارتفاع دوري في أسعار الغذاء، بل موجة تضخمية جديدة مدفوعة بالصدمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة، ستنعكس بقوة على الاقتصاد الليبي”.
ويبقى السؤال الأهم:هل تملك ليبيا أدوات احتواء هذه الصدمات قبل أن تصل بالكامل إلى موائد المواطنين؟ أم أن الأسواق المحلية ستجد نفسها مجددًا أمام موجة غلاء جديدة يدفع المواطن كلفتها وحده؟ (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: أحلام الجبالي