بنغازي 05 أبريل 2026 (الأنباء الليبية) – صدر للباحثة نسيم نجيب عميش، تحليل معمق لكتاب الصراع الليبي: التفكك البنيوي للسلطة وآفاق التسوية للمؤلفين خالد خميس السحاتي وحسين يوسف القطروني، الذي يقدم رؤية موسعة للأزمة الليبية، مع التركيز على تفكك بنية السلطة منذ 2011، وتحليل سلوك الفاعلين السياسيين، والتأثيرات الإقليمية والدولية، مسلطًا الضوء على تعقيدات المشهد السياسي وفرص التسوية الممكنة في ظل هشاشة الدولة.
-تفكيك بنية السلطة
تستعرض الباحثة مقاربة نظرية ترى أن جوهر الأزمة الليبية يكمن في تفكك بنيوي أصاب السلطة ومؤسسات الدولة منذ عام 2011.
ويذهب المؤلفان إلى أن انهيار النظام السياسي لم يؤدِّ إلى انتقال منظم للسلطة، بل فتح المجال أمام إعادة توزيع القوة خارج الإطار المؤسسي، ما أدى إلى بروز مراكز قوى متعددة ومتباينة.
هذا التفكك، وفق الكتاب، لم يكن مجرد نتيجة عابرة، بل أصبح سمة ملازمة للمشهد السياسي، حيث أعيد إنتاجه عبر محطات سياسية مختلفة، سواء من خلال الحكومات المتعاقبة أو المبادرات السياسية التي لم تنجح في بناء قاعدة مؤسسية مستقرة.
ويُبرز العمل كيف أن غياب سلطة مركزية قادرة على احتكار العنف المشروع أدى إلى انتشار السلاح وتعدد الفاعلين المسلحين، ما ساهم في إضعاف الدولة وتقويض قدرتها على فرض القانون.
كما يشير المؤلفان إلى أن هذا الوضع أفرز أنماطا جديدة من ممارسة السلطة، تقوم على التحالفات المؤقتة والتوازنات الهشة، بدلا من المؤسسات الدائمة والقواعد القانونية.
ونتيجة لذلك، أصبحت الشرعية السياسية محل نزاع دائم، حيث تتعدد مصادرها وتتنافس فيما بينها، دون وجود مرجعية موحدة يمكن الاحتكام إليها.
ويؤكد الكتاب أن معالجة الأزمة الليبية لا يمكن أن تتم من خلال حلول سطحية، بل تتطلب إعادة بناء بنية السلطة على أسس مؤسسية تضمن الاستقرار والاستمرارية.
-سلوك الفاعلين السياسيين
ينتقل الكتاب إلى تحليل سلوك الفاعلين السياسيين داخل هذا الإطار البنيوي المتفكك، مستعينا بنظرية الاختيار العقلاني لفهم كيفية اتخاذ القرارات في بيئة تتسم بعدم اليقين.
ويبرز ذلك في دراسة حالة ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي انعقد في جنيف عام 2021، حيث يوضح المؤلفان أن سلوك المشاركين كان محكومًا بحسابات دقيقة تتعلق بالمصالح الشخصية والفئوية، أكثر من كونه تعبيرًا عن رؤية وطنية مشتركة.
ويكشف التحليل أن كثيرا من القرارات التي تم اتخاذها خلال هذا الملتقى كانت نتاجًا لتوازنات مؤقتة، تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكنة.
ويعكس هذا النمط من السلوك طبيعة البيئة السياسية التي تفتقر إلى قواعد واضحة تحكم التنافس، ما يجعل القرارات عرضة للتقلبات والتغيرات المستمرة.
كما يوضح الكتاب أن غياب الثقة بين الفاعلين السياسيين يشكل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق تسوية مستدامة، حيث يؤدي هذا الغياب إلى تبني استراتيجيات قصيرة المدى، تركز على تحقيق المكاسب الفورية بدلا من بناء توافقات طويلة الأمد.
ويشير المؤلفان إلى أن هذا السلوك ليس منفصلًا عن البنية العامة للنظام، بل هو نتاج مباشر لها، ما يعني أن أي محاولة لتغيير سلوك الفاعلين يجب أن تنطلق من إعادة تشكيل البيئة المؤسسية التي يعملون ضمنها.
وفي هذا السياق، يؤكد الكتاب أن تحقيق الاستقرار السياسي يتطلب بناء مؤسسات قادرة على تنظيم التنافس وتحديد قواعده، بما يحد من تأثير الحسابات الفردية ويعزز من فرص الوصول إلى توافقات حقيقية.
-البعد الأمني والهجرة
يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالبعد الأمني، بوصفه أحد أبرز تجليات الأزمة الليبية وأكثرها تأثيرًا على الاستقرار الداخلي والإقليمي.
ويربط المؤلفان بين ضعف الدولة وتراجع قدرتها على السيطرة على حدودها ومجالها الأمني، وبين تصاعد ظاهرة الهجرة غير النظامية، التي أصبحت تمثل تحديًا كبيرًا ليس فقط لليبيا، بل لدول الجوار أيضا.
ويُظهر التحليل أن غياب مؤسسات أمنية فعالة أدى إلى انتشار شبكات التهريب، التي تستغل الفراغ الأمني لتحقيق مكاسب اقتصادية، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويجعلها أكثر تشابكًا. كما يوضح الكتاب أن هذه الظاهرة تعكس خللًا بنيويًا في منظومة الحكم، حيث لم تعد الدولة قادرة على أداء وظائفها الأساسية في حماية المواطنين وضبط الحدود.
ويشير المؤلفان إلى أن التعامل مع ملف الهجرة يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بدلا من الاقتصار على الحلول الأمنية التقليدية.
كما يؤكدان أن استعادة الدولة لسيطرتها على المجال الأمني تمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الاستقرار، إذ لا يمكن تصور أي عملية سياسية ناجحة في ظل غياب الأمن.
ويبرز الكتاب أيضا أن التداخل بين الأمن والهجرة يعكس طبيعة الأزمة الليبية كأزمة متعددة الأبعاد، حيث تتداخل العوامل المحلية مع التأثيرات الإقليمية، ما يجعل من الضروري تبني سياسات متكاملة للتعامل معها.
-التدخلات وآفاق التسوية
يتناول الكتاب بشكل موسع دور التدخلات الخارجية في تعقيد الأزمة الليبية، مشيرا إلى أن البلاد أصبحت ساحة للتنافس بين قوى إقليمية ودولية، تسعى كل منها إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية.
ويبرز التحليل كيف أن هذا التنافس أدى إلى إطالة أمد الصراع، حيث تدعم كل جهة أطرافًا مختلفة داخل ليبيا، ما يعرقل جهود التسوية ويزيد من حدة الانقسام.
ويولي المؤلفان اهتماما خاصا للتفاعلات بين القوى الكبرى، مثل التنافس بين روسيا والولايات المتحدة، وتأثيره على مسارات الصراع، حيث تصبح ليبيا جزءا من حسابات أوسع تتجاوز حدودها الجغرافية.
وفي هذا السياق، تتراجع قدرة الفاعلين المحليين على التحكم في مسار الأحداث، لصالح قوى خارجية تمتلك نفوذًا أكبر.
ورغم هذا الواقع، يشير الكتاب إلى أن فرص التسوية لا تزال قائمة، لكنها تتطلب توافر مجموعة من الشروط، من بينها توافق دولي يدعم الحل السياسي، وإرادة داخلية حقيقية لإعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية.
كما يؤكد أن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار الجذور البنيوية للأزمة ستكون عرضة للفشل، حتى وإن نجحت في تحقيق استقرار مؤقت.
وتخلص القراءة إلى أن هذا الكتاب يمثل إضافة مهمة لفهم الأزمة الليبية، لما يقدمه من تحليل شامل يربط بين مختلف أبعادها، من البنية الداخلية إلى سلوك الفاعلين، وصولا إلى التأثيرات الخارجية.
ورغم ملاحظة أن بعض فصوله تميل إلى الطابع الوصفي، فإن قيمته العلمية تظل كبيرة، خصوصا في قدرته على تقديم إطار نظري متماسك يمكن الاعتماد عليه في دراسة الحالة الليبية.
كما يشكل مرجعا مهما للباحثين وصناع القرار، لما يوفره من أدوات تحليلية تساعد على فهم تعقيدات الأزمة واستشراف مساراتها المستقبلية، في ظل بيئة سياسية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. (الأنباء الليبية) س خ.