صبراتة 06 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – في ساحة المدينة الأثرية بصبراتة، حيث تتجاور الأعمدة الرومانية مع زرقة المتوسط، كان الصوت أعلى من المعتاد. مهرجان سياحي، زوار يتجولون بين الأطلال، وموسيقى تحاول أن تعيد الحياة إلى حجارة صامتة منذ قرون. هنا، لا تبدو صبراتة مجرد موقع أثري، بل مدينة تحاول أن تتذكر نفسها.
على هامش هذا المشهد، وقف الدكتور محمد أبو عجيلة، مراقب آثار صبراتة، يتحدث لوكالة الأنباء الليبية، عن مدينة يعرفها كما يعرف تفاصيل يومه. لم يكن حديثه سردًا جافًا للتاريخ، بل حكاية طويلة بدأت قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، عندما أسس الفينيقيون هذه المدينة في القرن السادس قبل الميلاد، لتكون واحدة من أهم مدن الساحل الليبي، شقيقة للبدة وأويا (طرابلس اليوم) ولقرطاج (تونس).
يقول أبو عجيلة إن صبراتة لم تكن يومًا مدينة هامشية. فمن مينائها المطل على البحر المتوسط، كانت القوافل القادمة من عمق إفريقيا، ومن جرمة، تصل محملة بالمنتجات الإفريقية، قبل أن تشق طريقها بحرًا نحو روما. ويستحضر شاهدًا لا يزال قائمًا حتى اليوم: لوحة فسيفساء عُثر عليها في ميناء أوستيا قرب روما، تحمل نقش “رصيف مدينة صبراتة”، يتوسطه رسم فيل، في إشارة واضحة إلى الدور التجاري الذي لعبته المدينة في العالم القديم.
لكن الزمن لم يتوقف عند الفينيقيين. تعاقبت الحضارات على صبراتة، وجاء الرومان ليمنحوها فترة ازدهار غير مسبوقة. المسرح الروماني، الذي لا يزال قائمًا بكامل هيبته، لم يكن مجرد مبنى للعروض، بل مساحة عامة للحياة، كما كانت الشوارع المستقيمة، والحمامات العامة، والأسواق، والميدان الذي كان يحتضن الاحتفالات الأسبوعية، تشكل نسيج مدينة نابضة بالحركة.
في عام 1982، اعترفت اليونسكو بقيمة هذا الإرث، وأدرجت صبراتة ضمن قائمة التراث العالمي. كان ذلك اعترافًا بأن هذه المدينة ليست ملكًا لأهلها وحدهم، بل للإنسانية جمعاء. غير أن السنوات الأخيرة كانت قاسية. الفوضى الأمنية التي عصفت بالبلاد وضعت صبراتة، إلى جانب لبدة وشحات، على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.
يشرح أبو عجيلة معنى “الخطر” بتشبيه بسيط: بطاقة صفراء مرفوعة في وجه مدينة تاريخية. إنذار لا يعني النهاية، بل دعوة ملحّة للاهتمام. ويستشهد بمدينة غدامس، التي خرجت من هذه القائمة بفضل تضافر جهود مصلحة الآثار والمجتمع المدني، مؤكّدًا أن صبراتة قادرة على تكرار التجربة.
غير أن التحديات هنا لا تأتي فقط من البشر. البحر نفسه، الذي كان سبب ازدهار المدينة، بات اليوم أحد مصادر تهديدها. فمياه المتوسط تتقدم ببطء، وتجرف معها أجزاء من المعالم المطلة على الساحل، مثل الحمامات الرومانية وبعض دور العبادة. إلى ذلك، تأتي الرياح والتغيرات المناخية، والنباتات العشوائية التي تزحف على أرضيات الفسيفساء، مهددة تفاصيل دقيقة صمدت لقرون.
رغم أن المدينة تمتد على مساحة تقارب 40 هكتارًا، وتتطلب منظومة حماية متكاملة، يؤكد أبو عجيلة أن صبراتة نجت من أسوأ السيناريوهات. “لم نفقد قطعة واحدة”، يقولها بنبرة فخر. خلال أكثر الفترات اضطرابًا، تكفّل العاملون في مصلحة الآثار، إلى جانب الشرطة السياحية، بحراسة الموقع بما توفر من إمكانات محدودة.
في تلك السنوات الصعبة، لم تكن الحراسة وحدها هي المهمة. ففي عامي 2014 و2015، شُكّلت لجان عملت كخلية نحل، ليلًا ونهارًا، لإخفاء مقتنيات متحف صبراتة في أماكن سرية وآمنة. كانت لحظة اختبار حقيقية، نجح فيها العاملون في حماية ذاكرة المدينة من الضياع.
اليوم، ومع عودة بعض الاستقرار، بدأت الحياة تدبّ مجددًا في صبراتة. بعثات أثرية أجنبية، من جامعات مثل باليرمو وروما، عادت للتعاون مع مصلحة الآثار، في أعمال الحفر والترميم، ونقل الخبرات، وتدريب الباحثين الليبيين. كما بدأت الوفود الرسمية والمجموعات السياحية في التوافد، في انتظار خطوة مفصلية: إعادة افتتاح متحف صبراتة.
لكن أبو عجيلة يؤكد أن إنقاذ صبراتة لا يمكن أن يكون مهمة جهة واحدة. فليبيا، كما يقول، “متحف مفتوح”، ومدنها الأثرية مسؤولية تضامنية، تتطلب مشاركة البلديات، والمجتمع المدني، وقطاع التعليم، والمنظمات الدولية. ويشير إلى أن المهرجانات السياحية، مثل مهرجان صبراتة الحالي، ليست مجرد فعاليات احتفالية، بل رسائل حياة، تذكّر الناس بأن هذه الحجارة ما زالت تنبض.
بين البحر والحجر، بين الماضي والحاضر، تقف صبراتة اليوم على مفترق طرق. مدينة تعرف قيمتها، وتحاول أن تحرس ذاكرتها، في انتظار أن تستعيد مكانتها التي تستحقها، لا كأثر صامت، بل كحكاية إنسانية مفتوحة على العالم. (الأنباء الليبية – صبراتة) ر ت