بنغازي 04 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – تمتلك ليبيا، رغم ما تعانيه من انقسام سياسي وتعقيدات أمنية مستمرة منذ أكثر من عقد، ورقة استراتيجية نادرة في معادلة الأمن الإقليمي، لا سيما في منطقة الساحل الأفريقي. فبعيدًا عن منطق التدخلات العسكرية المكلفة وغير المضمونة، يمكن لليبيا أن تلعب دورًا محوريًا في كبح تمدد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، انطلاقًا من إدارة ذكية لجنوبها الشاسع، الذي ظل طويلًا خارج حسابات الدولة.
يمثل الجنوب الليبي عقدة جغرافية بالغة الحساسية، إذ يتقاطع عنده نفوذ دول الساحل مع مسارات الهجرة غير النظامية، وتتحرك عبره شبكات تهريب السلاح والبشر والوقود، فضلًا عن الجماعات المتطرفة التي تستفيد من هشاشة الحدود وضعف الرقابة. هذا الواقع حوّل الجنوب، خلال سنوات الفوضى، إلى فراغ أمني مفتوح، لا يهدد ليبيا وحدها، بل ينعكس مباشرة على استقرار دول الساحل، وصولًا إلى الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط.
غير أن هذا الفراغ نفسه يمكن أن يتحول، إذا ما أُحسن التعامل معه، برأي المراقبين، إلى ما يشبه “عنق الزجاجة اللوجستي الذي يخنق حركة الجماعات المسلحة بدل أن يغذيها. ولا يتطلب ذلك بالضرورة انتشارًا عسكريًا كثيفًا أو عمليات عابرة للحدود، بل منظومة أمن محلي ذكية، تقوم على شراكة حقيقية بين الدولة والمكونات القبلية، باعتبارها الفاعل الاجتماعي الأكثر حضورًا وتأثيرا في الجنوب.
ويعتقد هؤلاء المراقبون أن هذه الشراكة لا يمكن أن تنجح دون معالجة جذرية للاقتصاد الموازي المرتبط بالتهريب، الذي يشكل مصدر الدخل الأساسي لآلاف العائلات في مناطق تعاني التهميش وغياب التنمية. فالتجفيف الأمني دون بدائل اقتصادية سيعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر عنفًا. لذلك، فإن دمج الأمن بالتنمية، ولو في حدها الأدنى، يمثل شرطًا أساسيًا لتحويل الجنوب من عبء أمني إلى رافعة استقرار.
تبرز الحاجة، في ظل الانقسام السياسي القائم، إلى تحييد ملف الجنوب والحدود عن التجاذبات الداخلية. إذ يمكن لليبيا، حتى وهي منقسمة بين حكومتين، أن توحد الحد الأدنى من التنسيق الأمني في هذا الملف تحديدًا، باعتباره ملفًا سياديًا يمس بقاء الدولة وكيانها لا شرعية الحكومات، خاصة وأن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن غياب هذا التنسيق كان أحد أكبر مكاسب الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
وتمتلك ليبيا دوليا ورقة تفاوض لا تقل أهمية. فأوروبا، التي تراقب بقلق تدفقات الهجرة والتهديدات الأمنية القادمة من الجنوب، تنظر إلى استقرار الجنوب الليبي بوصفه خط الدفاع الأول عن المتوسط. ومن هنا، يمكن لليبيا أن تعيد صياغة علاقتها مع الشركاء الأوروبيين، ليس كشرطي لحدود الاتحاد الأوروبي، في رمال الصحراء وعلى الساحل الجنوبي للمتوسط، بل كشريك يمتلك مفاتيح الاستقرار في واحدة من أخطر مناطق العبور في العالم.
ويخلص المراقبون إلى أن ليبيا لا تحتاج اليوم إلى أن تكون دولة قوية في كل الاتجاهات، بقدر ما تحتاج إلى أن تكون دولة ذكية في نقطة واحدة حاسمة. ويمكن لها إذا نجحت في إدارة الجنوب بفعالية، فإنها لن تحمي أمنها الوطني فحسب، بل ستسهم في إعادة رسم التوازن الأمني في الساحل بأكمله، وتفرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم وعلى تخوم القارة العجوز. (الأنباء الليبية) س خ.