بنغازي 03 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – لا تزال الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي تنشط وتوسّع نفوذها، بل حوّلت هذه المنطقة إلى واحدة من أكثر بؤر العنف نشاطا في العالم، رغم التدخلات العسكرية الأجنبية على مدى عقود، وجميعها كانت فاشلة ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى المقاربة العسكرية التي اعتُمِدت حتى الآن.
وبالفعل تعاملت القوى الأجنبية مع الجماعات المسلحة والإرهاب بمفاهيمه المتعددة في الساحل باعتباره تهديدًا أمنيًا محضًا، يمكن احتواؤه بالقوة العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة، غير أن الواقع الميداني كشف أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير وترتبط – برأي المراقبين – بضعف الدولة، والانقلابات المتكررة، ونهب الموارد الطبيعية والفساد والتهميش الاجتماعي، وانتشار الفقر وتمدد طوابير العاطلين عن العمل خاصة في صفوف الشباب الذين يشكلون أكثر من 65 في المائة من عدد السكان وغياب التنمية.
وأمام هذا الوضع، استفادت الجماعات المسلحة من هشاشة الحدود بين دول الساحل، حيث تنتقل بسهولة من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، متجاوزة مفهوم الدولة الوطنية، في حين افتقرت الجيوش الأجنبية التي تدخلت على الأرض إلى الشرعية الاجتماعية حيث تحتفظ ذاكرة شعوب المنطقة بعقود من المعاناة والتهميش على أيدي قوى الاستعمار، ما سمح لتلك الجماعات بتقديم نفسها كبديل اجتماعي وأمني وحتى اقتصادي في بعض المناطق.
ويعكس الهجوم الأخير الذي أعلن عنه يوم الأربعاء الماضي، على مطار نيامي (النيجر) هشاشة الأمن في الساحل، إذ تستفيد الجماعات المسلحة من ضعف الدولة والتهميش الاجتماعي لتوسيع نفوذها، ما يؤكد أن الحل العسكري وحده غير كافٍ ويستدعي معالجة جذور الأزمة السياسية الاقتصادية والاجتماعية مع تعزيز مؤسسات الدولة.
إلى ذلك، تداخلت التدخلات الأجنبية وتنافست أجنداتها على نهب الموارد الطبيعية والمعادن دون النظر إلى معاناة شعوب المنطقة، فغابت الرؤية الموحدة، وتحول الصراع إلى إدارة للأزمة بدل حلّها.
ويرى المراقبون أن فشل الحل العسكري في الساحل ليس فشلًا للسلاح، بل فشلًا للرؤية. وما لم تُعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سيظل أي انتصار ميداني مؤقتًا، وستبقى المنطقة عالقة في دائرة عنف مفتوحة.
- الجنوب الليبي: غرفة العمليات الخلفية لصراعات الساحل
مع تصاعد العنف في منطقة الساحل، يبرز الجنوب الليبي كفصلء استراتيجي تتقاطع فيه مصالح الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وأجهزة الاستخبارات الأجنبية، في ظل صعوبة السيطرة المركزية لعدة أسباب لعل أبرزها الانقسام السياسي ومعضلة التحرك في رمال الصحراء الليبية.
ويمثل الجنوب الليبي حلقة وصل جغرافية بين منطقة الساحل وشمال أفريقيا والبحر المتوسط، ما يجعل منه موقعًا استراتيجيًا ومنطقة مثالية لإعادة تموضع الجماعات المسلحة التي تتعرض لضغوط عسكرية سواء في مالي أو النيجر وتشاد وبوركينا فاسو وحتى في نيجيريا، حيث تجد في الصحراء الليبية مترامية الأطراف عمقًا لوجستيًا ومسارات تهريب آمنة، ما يُصعب مهمة الجيش الليبي في مواجهة هذه الجماعات التي تقهقرت أمامها جيوش محلية وعجزت عن مواجهتها قوات تدخل فرنسية وأمريكية من النخبة مجهزة بأحدث التقنيات القتالية واللوجستية والاستخباراتية.
إن الجنوب الليبي ليس ساحة معزولة كما يتوهم البعض، بل مسرحًا خلفيًا لصراعات الساحل العميقة والقديمة، ما سيبقيه عرضة للاختراق والاستغلال في ظل استمرار غياب استراتيجية وطنية شاملة. ومن هنا نستنتج أن تفاقم الصراع في الساحل يبقى نتاجًا لهشاشة الدولة والفقر والتهميش الاجتماعي، ما يجعل أي حل عسكري مؤقت غير كافٍ. وفي هذا الإطار، يتحول الجنوب الليبي إلى غرفة عمليات خلفية، تستفيد الجماعات المسلحة من المسارات الصحراوية المفتوحة ما يفرض رؤية شاملة تجمع بين معالجة الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الدولة، وإلا ستظل المنطقة عالقة في دائرة عنف مفتوحة يصعب كسرها بالحلول العسكرية وحدها. (الأنباء الليبية) س خ.