بنغازي 28 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – تقدّم الولايات المتحدة نفسها منذ نشأتها بوصفها “أمة المهاجرين” و “ملاذاً للباحثين عن الحرية والفرص” غير أن السياسات التي انتهجتها إدارات متعاقبة، وبلغت ذروتها في عهد الرئيس دونالد ترامب، تكشف عن تناقض عميق بين الخطاب التأسيسي والممارسة السياسية، حيث تُدار البلاد بخلفيات عنصرية مقنّعة، رغم أن المهاجرين – ولا سيما الفقراء منهم – كانوا العمود الفقري لبنائها.
ويقفز في الحالة الأمريكية السؤال المشروع: كيف لدولة قامت على الهجرة، وعلى أنقاض السكان الأصليين، وبجهد الملايين من العمال المهاجرين، أن تتبنى سياسات إقصائية ضد الفئة نفسها التي صنعت قوتها؟
في هذا الصدد اختار الرئيس ترامب، غريغوري بوفينو، القائد البارز في دورية الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، وهو من أصول مهاجرة إيطالية، لكونه يعكس أسلوباً صارما في قضايا الهجرة، يناسب خطابه ويثير إعجاب قاعدته الانتخابية، ولأنه كان صوتاً عملياً ومثالياً لنهجه القاسي في ملف الهجرة، إلا أنه تم تغييره ميدانيا نهاية هذا الشهر إثر جدل واسع حول وفاة مواطنين أمريكيين بعد موجة غضب في مينيابوليس خلال عمليات الهجرة الفيدرالية هناك.
- حقيقة تاريخية لا يمكن القفز عليها
لم تُبنَ الولايات المتحدة بسواعد “الآباء المؤسسين” وحدهم، بل عبر مسار طويل من إبادة السكان الأصليين أو إزاحتهم القسرية، العبودية التي شكّلت قاعدة الاقتصاد الزراعي، الهجرة “الفقيرة” في مفهوم الرجل الأبيض المهاجر أصلا، التي أنجزت الأعمال الأكثر قسوة، وأسست لقوة أمريكا التي نعرفها اليوم، وأبرزها شق السكك الحديدية، حفر الأنفاق، ردم المستنقعات، بناء المدن الصناعية وتأسيس الزراعة الحديثة.
من المفارقات التي نقرأها اليوم أن الإيرلنديين، الإيطاليين، الصينيين، المكسيكيين وغيرهم، وُصموا في زمانهم بالكسل، والعنف، وعدم القابلية للاندماج – وهي الاتهامات ذاتها التي تُوجَّه اليوم إلى مهاجري القرن الحادي والعشرين.
- من أمة هجرة إلى دولة انتقاء
لم تكن الهجرة في الوعي الأمريكي يوماً مفهوماً إنسانياً مطلقاً، بل خضعت دائماً لمنطق الانتقاء، من حيث العِرق، اللون، الدين والطبقة الاجتماعية، حيث جرى لاحقاً “تبييضها”، الهجرة الأوروبية البيضاء، تاريخياً وإدماجها في السردية الوطنية، بينما ظل الآخرون خارج القبول الرمزي، حتى لو كانوا جزءاً أساسياً وربما رئيسيا من الاقتصاد.
لم يخترع دونالد ترامب العنصرية في النظام الأمريكي، لكنه نزع عنها الغطاء والحرج، نقلها من الهوامش إلى مركز القرار وحوّلها من سياسات مبطّنة إلى خطاب علني، ولم تكن سياساته تجاه الهجرة موجهة ضد “الهجرة” كظاهرة، بل ضد أنواع محددة من البشر ومن قارات ودول معينة، وهو ما منح شرعية بمنطق أمريكي لخطاب أمني يرى في المهاجر، تهديداً ديموغرافياً وخطراً ثقافياً وعبئاً اقتصادياً.
- العنصرية المقنّعة كسياسة دولة
ويرى مراقبون أن ما يجعل الحالة الأمريكية خطيرة ليس العنصرية الصريحة، بل العنصرية المؤسسية التي تعمل عبر قوانين تبدو محايدة، سياسات أمنية واسعة الصلاحيات وخطاب قانوني يخفي التمييز. وفي هذا الإطار، يصبح القمع، بحسب هؤلاء المراقبين، تطبيقاً للقانون لا انتهاكاً للحقوق، وتتحول الدولة إلى جهاز فرز بشري وتمييز عنصري.
تعيش الولايات المتحدة، كما هو معروف، أزمة هوية حيث يُلاحظ تراجع الهيمنة البيضاء ديموغرافياً بعد أن تغيّرت طبيعة الهجرة (لم تعد أوروبية)، وتصاعد الخوف من فقدان السيطرة
في مواجهة هذا التحول، ما دفع قطاعات من النخبة السياسية إلى الانغلاق بدل الاعتراف، والقمع بدل المصالحة، والخطاب الأمني بدل الحقيقة التاريخية.
- ذاكرة انتقائية وتاريخ مُعاد صياغته
تكشف الوقائع الموثقة سياسيا وإعلاميا أن أمريكا تحتفي بالمهاجر فقط عندما ينجح، يندمج، يصبح جزءاً من النخبة، ثم تُسقط من الرواية فقره، اضطهاده والقوانين التي استهدفته وبذلك يتحول التاريخ إلى أداة لوم للضحية، لا محاسبة للمنظومة.
إن التناقض بين كون الولايات المتحدة أمة بناها المهاجرون، وبين إدارتها بسياسات إقصائية، ليس خللاً طارئاً، بل جزءا من بنيتها التاريخية، والجديد اليوم ليس وجود العنصرية، بل خروجها إلى العلن، وتحوّلها إلى أداة سياسية مشروعة في أعلى مراكز القرار.
وفي هذا الخضم يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع الولايات المتحدة مواجهة تاريخها بصدق، وبناء عقد اجتماعي جديد يعترف بمن صنعها فعلاً أم أن إنكار هذا التاريخ سيظل شرطاً غير معلن لاستمرار سلطتها وهيمنتها؟ (الأنباء الليبية) س خ.