بنغازي 10 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – تدخل الأزمة الليبية عام 2026 وهي ما تزال أسيرة حالة من الجمود السياسي المزمن، وسط جهود متواصلة من الأمم المتحدة، يخنقها عناد الفاعلين الليبيين وتوجهها تدخلات خارجية، إقليمية ودولية، همها الأساسي الحفاظ على مصالح الدول المنخرطة في الشأن الليبي، خاصة ما يتصل بالطاقة والفضاء الجيوسياسي والجيوإستراتيجي الليبي تحت عناوين مبتذلة منها تحديدا إعادة إطلاق مسار تسوية شاملة، ما يؤكد أن مستقبل الاستقرار السياسي والاقتصادي في ليبيا سيظل مرهونًا بتوازنات داخلية معقدة وضغوط خارجية متباينة.
-جهود أممية بفرص محدودة
وفي قراءة لحالة الجمود في المشهد الليبي يُلاحظ أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تواصل العمل على دفع خارطة طريق سياسية تهدف إلى إنهاء الانقسام المؤسساتي وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات وطنية. وترتكز هذه الجهود على توحيد الإطار الدستوري والقانوني، وتعزيز وقف إطلاق النار، وإشراك أطراف مجتمعية أوسع في العملية السياسية.
غير أن فرص نجاح هذه المساعي تبقى محدودة في المدى القريب، في ظل غياب توافق حقيقي بين المؤسسات الليبية المتنازعة، إضافة إلى ضعف الإرادة السياسية لدى بعض الأطراف التي تستفيد من استمرار الوضع القائم. ويجمع مراقبون على أن البعثة الأممية قادرة على إدارة الأزمة ومنع انفجارها، لكنها تفتقر إلى أدوات كافية لفرض حل سياسي شامل دون توافق ليبي داخلي.
-الموقف الأمريكي: دعم حذر دون انخراط مباشر
على المستوى الدولي، حافظت الولايات المتحدة على موقف داعم للحل السياسي في ليبيا ضمن إطار الأمم المتحدة، مع تأكيدها المتكرر على ضرورة الإسراع في العملية السياسية وتوحيد المؤسسات تمهيدًا لإجراء انتخابات. إلا أن هذا الدعم ظل في إطار الضغط الدبلوماسي، دون انخراط مباشر أو ممارسة ضغوط حاسمة على الأطراف المعرقلة.
ويعكس هذا النهج الأمريكي مقاربة أوسع تقوم على إدارة الأزمة بدل حسمها، مع تركيز واشنطن على منع تدهور أمني قد يهدد استقرار منطقة المتوسط أو يؤثر على أسواق الطاقة، أكثر من تركيزها على فرض تسوية سياسية نهائية.
-سيناريوهات 2026: الجمود هو الأرجح
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو سيناريو استمرار الجمود السياسي هو الأكثر ترجيحًا خلال عام 2026. فمن المرجح أن تبقى البلاد، بحسب مراقبين، في حالة “لا حرب ولا سلام”، مع استمرار الانقسام المؤسساتي وتراجع فرص إجراء انتخابات في الأجل القريب.
في المقابل يرى من هم أكثر تفاؤلا أن سيناريو إجراء انتخابات وطنية يظل ممكنًا نظريًا في أواخر 2026 أو مطلع 2027، لكنه مشروط بتحقيق اختراق سياسي حقيقي في ملف القاعدة الدستورية، وهو اختراق لم تظهر مؤشراته بعد.
أما السيناريو الأسوأ، فيتمثل في مزيد من تفكك مؤسسات الدولة وتعاظم نفوذ الجماعات المسلحة، وإن كان احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة لا يزال ضعيفًا في الوقت الراهن.
-اقتصاد نفطي ينمو دون تنمية
اقتصاديا، يقول الخبراء إن الاقتصاد الليبي، يُتوقع أن يسجل نموًا إيجابيًا خلال 2026، مدفوعًا باستمرار إنتاج وتصدير النفط، الذي يمثل العمود الفقري للإيرادات العامة. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن هذا النمو قد يتراوح حول 4%، في حال استمر الاستقرار الأمني النسبي ولم تُعطَّل المنشآت النفطية.
غير أن هذا النمو يبقى نموًا ريعيًا هشًا، لا ينعكس بالضرورة على تحسين مستوى المعيشة أو خلق فرص عمل مستدامة، خاصة في ظل غياب إصلاحات هيكلية حقيقية. فالاقتصاد الليبي لا يزال يعاني من ضعف التنويع، وتضخم القطاع العام، وعدم وجود قطاع خاص حقيقي، ما يحد من قدرته على امتصاص البطالة، خصوصًا بين الشباب.
-الجمود السياسي كعائق اقتصادي
يشكل استمرار الانقسام السياسي أحد أبرز العوائق أمام تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. فغياب سلطة موحدة يعطل إصلاحات الحوكمة والشفافية، ويقوض إدارة المالية العامة، ويحد من قدرة الدولة على التخطيط طويل الأجل. كما أن هشاشة الاستقرار السياسي تبقي مخاطر التضخم وتقلب سعر الصرف قائمة، ما ينعكس سلبًا على القوة الشرائية للمواطنين.
وحذرت مؤسسات مالية دولية في بيانات علنية من أن استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط، دون إصلاحات مؤسسية وتنويع اقتصادي، يجعل ليبيا عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات أسواق الطاقة
-خلاصة المشهد
مع دخول عام 2026، تقف ليبيا عند مفترق طرق، لكن دون مؤشرات واضحة على تغيير جذري في الاتجاه. فالجهود الأممية والدولية قد تنجح في منع الانهيار، لكنها لم تنجح بعد في فرض تسوية شاملة.
وفي ظل هذا الواقع، سيستمر الاقتصاد في تحقيق نمو مؤقت بفضل النفط، بينما تبقى التنمية الحقيقية رهينة حل سياسي لم تتوافر شروطه بعد.
ويبقى السؤال المفتوح: إلى متى تستطيع ليبيا إدارة أزمتها دون حلها، قبل أن تتحول كلفة الجمود السياسي إلى عبء اجتماعي واقتصادي يصعب احتواؤه؟ (الأنباء الليبية) س خ.