طرابلس 08 ديسمبر 2026 (الأنباء الليبية) – لم يعد ارتفاع الأسعار في ليبيا مجرد أرقام تتداولها التقارير الاقتصادية، بل تحوّل إلى واقع يومي يطارد الليبيين في تفاصيل حياتهم البسيطة، من طاولة الطعام، إلى فاتورة الدواء، وصولًا إلى قدرة الأسرة على الصمود حتى نهاية الشهر. ففي ظل استمرار تراجع قيمة الدينار الليبي، وتخبط السياسات النقدية منذ سنوات، تتآكل القدرة الشرائية للمواطن بوتيرة مقلقة، وتزداد الهوة بين الدخل وتكلفة المعيشة.
- أسواق تشتعل… والراتب يتبخر
في مجمع أسواق (بوستة) بطرابلس، تقف سالمة محمد (معلمة 45 عامًا وأم لـ 3 أطفال) أمام أرفف المواد الغذائية، تقلب الأسعار بعين مترددة تقول: “كنت أشتري حاجات الأسبوع كاملة، اليوم أشتري بالقطعة: الزيت اقتصدنا في الكمية وأصبحنا نشتريه كل شهرين، واللحوم خرجت من حساباتنا”.
مشهد يتكرر في كافة الأسواق في مختلف المدن الليبية، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية التي تشكل النسبة الأكبر من استهلاك الليبيين والمستوردة في معظمها، بشكل ملحوظ. ويعزو التجار هذه الزيادات إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، وتكاليف النقل، وصعوبة الحصول على الاعتمادات المصرفية. لكن خلف هذه المبررات، يقف المواطن وحيدًا في مواجهة موجة تضخم غير مسبوقة، وهو على أبواب رمضان حيث يتضاعف الإقبال على المواد الغذائية.
- الدينار تحت الضغط … سياسات بلا حماية اجتماعية
يرى اقتصاديون أن الأزمة المعيشية في ليبيا لا تعود فقط لارتفاع الأسعار، بل لانخفاض قيمة العملة المحلية وإلى فشل السياسة النقدية لمصرف ليبيا المركزي في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في استقرار العملة وحماية القدرة الشرائية، في ظل قرارات متذبذبة افتقرت لرؤية واضحة تراعي الأثر الاجتماعي. فالاقتصاد الليبي، المعتمد بشكل كامل على موارد النفط الخام وعلى الاستيراد، يتأثر سريعا بأي اهتزاز في سعر الصرف.
ويقول الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحيم الشيباني: “أي خفض في قيمة الدينار ينعكس فورًا على الأسعار، لكن المشكلة أن الرواتب لا تتحرك بنفس السرعة، ما يعني أن المواطن هو الحلقة الأضعف دائمًا. ويضيف أن غياب رؤية اقتصادية شاملة، والانقسام المؤسسي، جعلا القرارات النقدية تُتخذ دون سياسات مرافقة لحماية ذوي الدخل المحدود وسائر الفئات الهشة”.
- الطبقة المتوسطة… من الاستقرار إلى الهشاشة
شكّلت الطبقة المتوسطة صمام أمان اجتماعي في ليبيا طيلة عقود، إلا أنها اليوم تتآكل بصمت. ويقول يوسف نصر، (موظف حكومي، 50 عاما وأب لأربعة أطفال)،: “راتبي لم يتغير، لكن كل شيء حولي تضاعف. الإيجار، المواصلات، المدارس… لم يعد هناك شيء اسمه ادخار”.
وهكذا لم تعد هذه الفئة قادرة على الحفاظ على نمط حياتها السابق، واضطرت إلى التخلي عن كثير من الاحتياجات غير الأساسية، وأحيانا الأساسية، ما يهدد بانزلاقها نحو الفقر.
- الفقراء يدفعون الثمن الأكبر
في الأحياء الشعبية للعاصمة وسائر المدن والقرى الليبية، تبدو الأزمة أكثر قسوة. العمالة اليومية وأصحاب الدخل المحدود يعيشون تحت ضغط يومي لتأمين الغذاء، يقول أيمن المبروك، (30 عاما يعمل سائقا على سيارة نقل جماعي 16 راكبا) : “تخرجت منذ 6 سنوات ومازلت أبحث عن عمل فاضطررت للعمل بحصة على سيارة نقل … إذا اشتغلت أؤمن بعض المال لمساعدة أسرتي، وإذا ما في شغل نستنوا رحمة الله. أما الزواج فلا أفكر فيه على الاطلاق”.
يشير مختصون إلى أن هذه الفئة، لو استمر اشتعال الأسعار، ستكون أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي، وربما تقليص عدد الوجبات، والاعتماد على الديون أو المساعدات، في ظل غياب أية برامج لدعم التنمية والاستثمار في قطاعات أخرى غير النفط.
- المتقاعدون وأصحاب المرتبات الضمانية … معركة الدواء والمعيشة
يواجه المتقاعدون وأصحاب المرتبات الضمانية، خاصة كبار السن، معركة مزدوجة: دخل ثابت ضعيف، وارتفاع مستمر في أسعار الأدوية والخدمات الصحية. تقول خيرية محمد (67 عاما): “نص معاش الضمان يمشي في دواء السكر والضغط، والباقي ما عاد يسد وجبة واحدة في اليوم”.
هذه الفئة، التي يُفترض أن تحظى بحماية خاصة، في دولة نفطية، تجد نفسها اليوم، برأي المراقبين، أمام خيارات قاسية في دولة تواجه تحديات جمة بين تفاقم الانقسام السياسي واقتصاد يئن ومخاوف من تداعيات أعمق.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحيم الشيباني “أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في فشل السياسة النقدية لمصرف ليبيا المركزي في تحقيق أحد أهم أهدافها، الحفاظ على استقرار العملة وحماية القدرة الشرائية للمواطن”.
ويضيف “على مدى سنوات، اتسمت قرارات المصرف بالتذبذب، بين تعديلات مفاجئة في سعر الصرف، وفرض رسوم، ورفعها ثم إعادة فرضها، دون وجود سياسة واضحة ومعلنة تراعي الأثر الاجتماعي لهذه القرارات”، مبينا “أن المصرف ركّز على معالجة الاختلالات المالية من منظور محاسبي ضيق، دون توفير أدوات موازية لحماية الدخل، أو كبح التضخم، أو ضبط السوق الموازي، ما جعل المواطن يدفع ثمن هذه السياسات بشكل مباشر”.
من جهته يرى الخبير المصرفي محمد أشرف: “أن أي سياسة نقدية لا تضع المواطن في صلب معادلتها، هي سياسة محكوم عليها بالفشل، حتى وإن نجحت مؤقتًا في تحسين بعض المؤشرات الورقية”.
-قرار زيت الطهي… استهجان شعبي وتشخيص خاطئ للأزمة
في سياق متصل أثار قرار وزير الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية، محمد الحويج، الصادر أمس الأربعاء، بتحديد سعر زيت الطهي، موجة استهجان واسعة في الشارع الليبي، حيث اعتبره كثيرون معالجة سطحية لأزمة عميقة، وكأن زيت الطهي هو السلعة الوحيدة التي تشهد ارتفاعًا في الأسعار.
وقوبل القرار، في استطلاع آراء الكثير من المواطنين أجرته وكالة الأنباء الليبية، بسخرية مريرة، حيث قال أحدهم: “المشكلة مش في الزيت بس، المشكلة في كل شيء… الدواء، الدقيق، السكر، الحليب، اللحوم، السمك وحتى الخضرة.”
وعلق آخرون أن القرار يعكس انفصالًا بين صانع القرار والواقع المعيشي، إذ تجاهل الارتفاع الشامل في تكاليف المعيشة، ولم يتطرق إلى الأسباب الحقيقية للأزمة، وعلى رأسها سعر الصرف، وغياب الرقابة الفعلية.
في هذا الخصوص حذّر تجار طلبوا عدم الكشف عن هويتهم من أن تسعير سلعة واحدة دون معالجة منظومة الاستيراد والتوزيع قد يؤدي إلى اختفاء السلعة من السوق أو التحايل على القرار أو تحميل الزيادة على سلع أخرى.
- غياب حماية المستهلك… سوق بلا ضابط
في خضم هذه الفوضى السعرية، يبرز غياب دور أجهزة حماية المستهلك كأحد العوامل الرئيسية في تفاقم الأزمة. فالسوق الليبي، وفق ما يتم رصده يوميا، بات مفتوحًا بلا رقابة حقيقية، حيث تتفاوت الأسعار من متجر لآخر، ومن مدينة لأخرى، دون معايير واضحة، ويشتكي مواطنون من انعدام آليات الشكوى أو المساءلة، ما يتركهم فريسة لجشع بعض التجار والمضاربين، في ظل ضعف التفتيش وغياب العقوبات الرادعة، ناهيك عن سيطرة تجار كبار معظمهم غير ليبيين على الاستيراد والتسويق وتحديد الأسعار في السوق الليبي.
- سوق مستورد… فيضان أصناف وفوضى جودة
ما يزيد المشهد تعقيدًا اعتماد ليبيا شبه الكامل على الاستيراد، حيث تغرق الأسواق بعشرات الأصناف من السلعة الواحدة، القادمة من دول وأسواق مختلفة، بجودة وأسعار متباينة، في ظل غياب سياسة استيراد واضحة. فعلى رف واحد، يمكن للمستهلك أن يجد، العشرات من أنواع زيت الطهي من عدة دول مع فروق سعرية وفي التعبئة دون معرفة دقيقة بالجودة أو المطابقة للمواصفات.
ويؤكد خبراء أن هذا “الفيضان السلعي” لا يعكس تنوعًا صحيًا بقدر ما يعكس فوضى في الاستيراد، وغياب التخطيط، وترك السوق لقوى العرض والطلب دون أي تدخل تنظيمي يحمي المستهلك. (الأنباء الليبية) س خ.
- متابعة وحوار وتصوير: ساسية اعميد – زهرة الفيتوري