بنغازي 05 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – في تصريح لافت، توصلت وكالة الأنباء الليبية بتسجيل صوتي له اليوم الإثنين، انتقد زعيم الحزب الكاميروني (بورس)، سارج ماتومبا، ما وصفه بـ “الاستخفاف المنهجي بالأفارقة” من خلال مؤشرات الفقر التي يروّج لها الغرب، وعلى رأسها معيار “العيش بأقل من دولار في اليوم”، وهو معيار جرى تعميمه عالميًا عبر ماكينة إعلامية واقتصادية غربية متغولة، دون اعتبار لخصوصيات المجتمعات المحلية وأنماط عيشها.
تصريح بسيط في لغته، لكنه يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: من يملك حق تعريف الفقر؟ وبأي منطق تُوصم مجتمعات كاملة بالعوز؟
يستحضر السياسي الكاميروني مثال جدته التي تعيش في قريتها، تأكل من الكاسافا (المنيهوت) والأرز الذي تزرعه في أرضها، دون حاجة إلى منتجات مستوردة أو وجبات سريعة أو تداول نقدي يومي. وبحسب رأيه، فإن الفقر هنا ليس حالة معيشية حقيقية، بل حكمٌ قادم من خارج السياق، يُقاس بنمط استهلاك غربي لا يشبه الواقع الإفريقي، ولا يعكس بالضرورة جودة الحياة أو الاكتفاء الذاتي.
لكن المفارقة أن القارة التي تُصنَّف في المفهوم الغربي بوصفها “الأفقر” هي نفسها من أغنى مناطق العالم بالمعادن النادرة والموارد الطبيعية، أبرزها الكوبالت، الليثيوم، الجرافيت، النحاس، التي تحتاجها الصناعات التكنولوجية، والعسكرية، والذهب، اليورانيوم، النفط، الكاكاو، القطن، إلى جانب أراضٍ زراعية شاسعة قادرة على تحقيق الأمن الغذائي ليس لإفريقيا فقط، بل لأجزاء واسعة من العالم.
لا تقتصر هذه الثروات على الموارد الصلبة والطاقة الأحفورية، بل تمتد إلى واحد من أكبر مخزونات المياه العذبة على مستوى العالم. فإفريقيا تحتضن أنهارًا عملاقة، في مقدمتها نهر الكونغو، ثاني أنهار العالم من حيث غزارة التدفق، الذي يصب كميات هائلة من المياه العذبة في المحيط الأطلسي، ممتدًا داخل البحر لعشرات الكيلومترات، في صورة تختزل حجم الهدر غير المستغل. ويؤكد خبراء الطاقة أن حوض الكونغو، وخاصة مشروع (إنغا)، قادر على توليد كهرباء تكفي القارة الإفريقية بأسرها، فضلًا عن خلق نهضة زراعية وصناعية شاملة، لكن “الفيتو” الغربي يحول دون ذلك من خلال منع نقل التكنولوجيا.
إلى جانب الكونغو، تمتلك القارة أنهارًا استراتيجية أخرى مثل النيل، الزمبيزي، النيجر، والسنغال، وهي موارد مائية كان يمكن أن تشكل أساسًا للتنمية والسيادة الغذائية، لولا سوء الإدارة، وهيمنة الشركات العابرة للحدود، وربط مشاريع التنمية بإملاءات خارجية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين تذهب كل هذه الثروات؟ الجواب أن إفريقيا، وعلى مدى عقود، تعرّضت ولا تزال لنهب منظم لمواردها عبر شركات متعددة الجنسيات واتفاقيات غير متكافئة، ما أدى إلى تفكيك الاقتصادات المحلية، وضرب الزراعة التقليدية، وتحويل المجتمعات المنتجة إلى مجتمعات تابعة للأسواق الخارجية، تستهلك أكثر مما تنتج، وتستورد، منتوجات معدلة جينيا، ما كانت تصنعه أو تزرعه طبيعيا.
ومع تراجع الاكتفاء الذاتي، صُنعت البطالة، لا بوصفها ظاهرة طبيعية، بل كنتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية مفروضة. هذه البطالة دفعت ملايين الشباب إلى مغادرة قراهم ومدنهم، ليس كرهًا في أرضهم، بل بحثًا عن بدائل بعدما أُغلقت أمامهم سبل العيش الكريم داخل أوطانهم. ومن هنا تبدأ رحلة الهجرة غير النظامية: الصحراء القاتلة، أزمات في دول العبور على رأسها ليبيا، تجار البشر، قوارب متهالكة، وبحار تبتلع الأحلام.
وعليه، فإن الهجرة الإفريقية ليست هروبًا من “الفقر” بالمعنى الذي يحدده الغرب، بل هروب من نظام عالمي حرم هذه المجتمعات من حقها في مواردها، ثم اتهمها بالعجز. نظام لا يتسامح مع محاولات فك الارتباط أو استعادة القرار الاقتصادي، ويُواجه أي مسعى للتمرد بالعقوبات أو العزل أو زعزعة الاستقرار، كما تُظهر تجارب دول غنية بالموارد خارج إفريقيا أيضًا، آخرها ما جرى في فنزويلا.
إن تصريح زعيم الحزب الكاميروني لا يدافع فقط عن كرامة إنسانية، بل يعيد طرح سؤال سياسي واقتصادي عميق: هل الفقير هو من لا يملك المال؟ أم من لا يملك قراره الاقتصادي؟ (الأنباء الليبية) ع د.