طرابلس 18 ديسمبر 2025 (الأنباء الليبية) – يتكرر المشهد الصادم لاصطفاف آلاف المواطنين، نساء وشيوخا ورجالا، مع دفع المرتبات الشهرية لموظفي القطاع العام، الشريحة الأكبر في ليبيا، وتحويل مرتبات المتقاعدين، أمام فروع المصارف الليبية، لساعات طويلة سعيا وراء أموالهم أو رواتبهم، على خلفية أزمة سيولة متفاقمة لم تُحل رغم الوعود الكثيرة والقرارات الرسمية.
وفي الوقت الذي تعاني فيه المصارف من شح النقد، تزدهر السوق الموازية وتستخدم أموالاً نقدية خارج النظام المصرفي، تكدست في أيدي المضاربين عبر عمليات مشبوهة المتهم الأبرز فيها تجار عملة ومسؤولون في المصارف التجارية، ما أجبر المواطنين على اللجوء إلى ما يُعرف محليًا بـ “حرق الصكوك”، حيث يخسرون نحو 20 في المائة من قيمة أموالهم مقابل الحصول على نقد فوري لتلبية احتياجات أسرهم.
ورصد تقرير بثته (صحيفة الأنباء الليبية) الخميس الماضي حول تفاقم أزمة السيولة، أن كميات كبيرة من الأموال تُنقل من سيارات خاصة في شارع الجلاء المعروف بطريق “الشط” إلى “عربات بناء” (براويط) يدفعها عمال وافدون تحت حراسة مسلحين أشباح مندسين وسط المارة قبل أن تستقر في محلات تداول العملة غير المرخصة في سوق المشير.
ويقول خبراء ماليون إن جزءًا كبيرا من العملة الجديدة يتسرب قبل وصوله إلى الجمهور عبر عدة آليات محتملة، أبرزها، التلاعب داخل فروع المصارف، حيث تُمنح كميات من النقد إلى تجار كبار أو سماسرة سيولة عبر صكوك أو تحويلات داخلية، ثم يعاد بيع هذه السيولة نقدًا في السوق الموازية مقابل عمولات مرتفعة، ضعف الرقابة على عملية نقل وتوزيع النقد، ما يسمح بتسرب كميات من العملة أثناء النقل أو التخزين، التواطؤ بين بعض موظفي المصارف وشبكات السوق السوداء، حيث يجري استبدال الصكوك المصرفية بالنقد الجديد خارج القنوات الرسمية، فيتحول المصرف من وسيط مالي إلى نقطة تغذية غير مباشرة للسوق الموازية.
وتظهر العملة الجديدة غالبًا، بحسب ما رصده مراسلون لصحيفة (الأنباء الليبية)، أولًا في السوق السوداء قبل أن يراها المواطن في شبابيك المصارف، وهو ما يفسر توفر فئات نقدية جديدة لدى تجار السيولة، مقابل غيابها داخل المصارف.
وتطرح هذه الظاهرة، بحسب المراقبين، تساؤلات جدية حول من يراقب خط سير النقد، ومن المستفيد من بقائه خارج النظام المصرفي، وتكشف أن أزمة السيولة ليست نقصًا في الطباعة، بل خللًا في الحوكمة والمساءلة.
وكان مصرف ليبيا المركزي أعلن، في محاولة لمعالجة الأزمة، أنه تعاقد على طباعة نحو 60 مليار دينار ليبي لتوفير السيولة النقدية “بشكل متوازن ومستقر”، على خلفية شح السيولة داخل المصارف بعد سحب فئتي 5 و20 دينارا بزعم تنظيم المعروض النقدي. وتم الإعلان عن استلام وتوزيع حوالي 25 مليار دينار على البنوك التجارية داخل البلاد ومن المتوقع أن تصل 14 مليار دينار أخرى قبل نهاية 2025. والباقي 21 مليار دينار مقرر وصولها خلال عام 2026 بموجب خطة تدريجية، غير أن هذه الخطة يبدو أنها تسير بشكل بطيء لأسباب لم يكشف المصرف عنها الأمر الذي أدى إلى ازدهار السوق السوداء التي تقتات على مدخرات المواطنين ما يعكس فجوة بين السياسات المعلنة وواقع التطبيق.
وكشف التقرير الخاص بـ (صحيفة الأنباء الليبية) أنه على الرغم من إعلان مصرف ليبيا المركزي عن طباعة وضخ مليارات من الدنانير، لا تزال السيولة شحيحة داخل المصارف، بينما تتوفر بكثافة في السوق الموازية، حيث يتحكم المضاربون في سعر النقد ويستفيدون من عمليات “حرق الصكوك” التي تقتطع ما يصل إلى 20 في المائة من أموال المواطنين.
وخلص التقرير إلى أن أزمة السيولة في ليبيا لم تعد تقنية أو مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة حوكمة ونفوذ اقتصادي، حيث تُدار السيولة خارج الأطر الرسمية، ويُترك المواطن وحده في مواجهة المضاربين، في ظل غياب إجراءات حاسمة تعيد النقد إلى مساره الطبيعي وتستعيد ثقة الجمهور في النظام المصرفي.
وقال الخبير المصرفي المتقاعد، حسين الرياني، في اتصال مع (صحيفة الأنباء الليبية) إن مظاهر أزمة السيولة المصرفية في ليبيا، من شُح النقد داخل المصارف، إلى وفرة العملة الجديدة في السوق الموازية، وتمدّد ظاهرة “حرق الصكوك”، تطرح سؤالا جوهريا: هل المشكلة في غياب النقد أم في غياب السيطرة عليه، ليُجيب أن المعطيات تشير إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بقدرة مصرف ليبيا المركزي على طباعة أو استيراد العملة، بل بقدرته على ضبط مسارها، ومنع تسربها، وإعادة ربطها بالنظام المصرفي.
وأكد الرياني أن تجاوز الأزمة يتطلب حزمة إجراءات عملية، تتجاوز الحلول التقليدية منها تتبع العملة النقدية من لحظة خروجها من المصرف المركزي حتى وصولها إلى المواطن، عبر آليات رقابية واضحة، وجداول توزيع معلنة، بما يحدّ من التسرب إلى السوق الموازية ويغلق أحد أخطر منافذ المضاربة، معالجة السوق الموازية من خلال قطع وصولها إلى النقد، عبر تجريم التعاملات غير المشروعة في السيولة، وعلى رأسها “حرق الصكوك”، ملاحقة الشبكات المنظمة التي تستفيد من الأزمة، مع إعلان نتائج التحقيقات لتعزيز الردع العام، إطلاق آليات تشجيعية لإعادة إيداع الكتل النقدية الكبيرة التي تتداول خارج النظام المصرفي بسبب فقدان الثقة، من خلال تسهيلات مؤقتة وضمانات واضحة، بما يسهم في تخفيف الضغط على المصارف دون اللجوء إلى ضخ نقد إضافي، كسر الحلقة التي تغذي عمليات “حرق الصكوك” مؤكدا أن بقاء الصك المصرفي بلا قيمة فعلية عند الاستحقاق، سيقود إلى استمرار السوق الموازية في استغلاله، وذلك لن يتأتى إلا بفرض التزام مصرفي يضمن حدًا أدنى من السيولة النقدية مقابل الصكوك والرواتب، بما يقلّص الفارق الذي يحقق منه المضاربون أرباحهم.
ويعتقد مختصون اقتصاديون أن تصاعد الدعوات لإغلاق السوق الموازية وملاحقة المتعاملين فيها، يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى هذا الخيار في معالجة أزمة السيولة وارتفاع سعر الدولار قبل أن يؤكدوا أن السوق السوداء وإن لم تكن أصل الأزمة، فهي إحدى نتائجها الكارثية المباشرة، إذ نشأت في ظل عجز المصارف عن توفير السيولة النقدية، واتساع الفجوة بين الطلب الحقيقي على الدينار والدولار، والقدرة المحدودة للقنوات الرسمية على تلبيته.
ودعا هؤلاء المختصون إلى توفير بدائل مصرفية فعّالة، ومراقبة منع انتقال نشاط السوق السوداء إلى قنوات أكثر سرية، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الحصول على النقد، واتساع ظاهرة “حرق الصكوك”، فضلًا عن قفزات غير متوقعة في سعر الدولار.
وقالوا “إن تراجع سعر الدولار يرتبط بعوامل عدة، تشمل حجم الإنفاق العام، ومستوى الثقة في السياسة النقدية، وقدرة المصرف المركزي على توفير النقد الأجنبي للتجار عبر آليات شفافة ومستقرة ومتابعة الأجهزة الرقابية والضبطية لعمليات الاستيراد وتحديدها. وطالما ظلت هذه العوامل دون معالجة، فإن الطلب على السوق الموازية سيستمر، سواء كانت ظاهرة للعلن أو تعمل في الخفاء”.
وشدد الخبراء المختصون على ضرورة إغلاق السوق الموازية وتقطيع أوصالها غير أنهم رأوا أن هذا الإجراء سيكون مجديا أكثر بعد استعادة السيولة داخل المصارف، وتخفيف القيود على السحب، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وهو ما سيُؤدي إلى فقدان السوق السوداء مبررات وجودها، وتراجع دور شبكة المضاربين وسماسرة العملة وشركائهم في المصارف.
إن أزمة السيولة في ليبيا تكشف عن خلل أعمق من مجرد نقص في النقد، خلل يتصل بالحَوْكَمة، والرقابة، وتوازن النفوذ بين الدولة والسوق الموازية. وبينما تستمر المعالجات المؤقتة، يبقى الرهان الحقيقي على إعادة السيولة إلى مسارها الطبيعي داخل النظام المصرفي، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسات يفترض أن تحمي أمواله لا أن تدفعه إلى خسارتها في السوق السوداء. (الأنباء الليبية) س خ.
- متابعة وتصوير: فريق الأنباء الليبية (طرابلس)
