طرابلس 05 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) – تتدافع صهاريج نقل مياه الصرف الصحي التي يتم شفطها من الآبار السوداء في البيوت كل يوم بأعداد كبيرة، لتفريغ حمولتها من المياه العادمة الملوثة في مجمع المجاري الرئيسي لتصريف مياه الأمطار تحت جسر طريق قرقارش (غرب العاصمة طرابلس) على بعد حوالي 500 متر فقط من شاطئ البحر، وعلى مقربة من نقطة تفتيش أمنية ثابتة، في ظاهرة مضرة بالبيئة البحرية، لا تراها في أفقر دول العالم، ناهيك عن انتشار الروائح الكريهة والحشرات الناقلة للأمراض في هذه المنطقة المكتظة بالسكان.
تنتشر الآبار السوداء منذ القدم في الأحزمة السكانية المحيطة بالعاصمة طرابلس وكافة المدن الكبرى وفي القرى والأرياف بشكل كبير نظرًا لعدم وجود شبكات للصرف الصحي، وتضاعفت أعدادها عشرات المرات خلال العقدين الماضيين بسبب النمو الديمغرافي والتوسع في إقامة المشاريع الإسكانية العشوائية في غياب الدولة وانعدام التخطيط العمراني السليم.
يقول الرئيس السابق للجنة تأسيس وإدارة الشركة العامة للمياه والصرف الصحي، محمد الغويل: إن تلوث المياه الجوفية بمياه المجاري من أخطر أنواع التلوث، لأن الخزان الجوفي غير متجدد، وعملية التنقية صعبة.
وأضاف في متابعة من وكالة الأنباء الليبية (وال) ولقاءات مع عدد من المسؤولين للوقوف على هذه الكارثة البيئية المزمنة وتداعياتها على تلوث المحيط والصحة العامة، أن استمرار ضخ المياه الملوثة في البحر يؤدي إلى ارتفاع تركيز التلوث، ويلحق أضرارًا فادحة بالثروة البحرية وبصحة المواطنين.
وقال في هذا الصدد إن تآكل أنابيب الصرف الصحي وعدم الصيانة الدورية أَديا إلى تسرب المياه الملوثة في الطرق العامة للمدن والقرى حيث تتشكل المستنقعات بين الأحياء السكانية، وتسببا في انتشار الكثير من الأمراض خاصة بين الأطفال.
وأشار الغويل إلى أن عدد السكان في ليبيا في سبعينيات القرن الماضي، بلغ حوالي 2.5 مليون نسمة، وكان يُوجد في طرابلس 40 مخرجًا لتصريف المياه بكميات محدودة إذ بلغ الإمداد المائي للمدينة ما بين 500 و600 ألف متر مكعب يوميًا، غير أنه مع النمو الديمغرافي تضاعف استهلاك المياه وزادت كميات مياه الصرف الصحي بشكل كبير.
وبسؤاله عن ظاهرة تفريغ مياه الآبار السوداء في مجاري تصريف مياه الأمطار، أفاد الغويل أن شبكات تصريف مياه الأمطار مصممة لاستيعاب مياه الأمطار فقط، إلا أن الصهاريج التابعة للقطاع الخاص تنتهك كافة القوانين وتأتي بحمولتها لتفريغها في هذه المجاري المنتشرة خاصة على امتداد ما يعرف بالطريق السريع وفي الغرف القريبة من شاطئ البحر، ما يتسبب في تلويث المياه السطحية للآبار المنزلية، مؤكدا أن تقارير رسمية أثبتت أن ما جرى في مدينة زليتن قبل عام يعود إلى الاعتماد على البيارات التقليدية بدلًا من شبكات الصرف الصحي.
واطلعت (وال) على تقارير رسمية أكدت أن ليبيا تواجه مشاكل كبيرة في مجال الصرف الصحي تتمثل في تهالك الشبكة وصيانة محدودة للبنية التحتية لخطوط الصرف الصحي، ما يؤدي إلى تصريف كميات هائلة من مياه الصرف غير المعالجة في البيئة البحرية والمياه الجوفية.
وسجلت هذه التقارير أن انهيار شبكات الصرف الصحي التي يعود معظمها إلى حقبة الاستعمار الإيطالي، وانتشار استخدام الآبار السوداء، يتسبب في تلوث بيئي وصحي خطير، يشمل انتشار الأمراض المعدية وتلوث الشواطئ والأسماك بالبكتيريا والمعادن الثقيلة ويؤدي إلى اختلاط مياه الصرف بمياه الشرب وتلوث المياه الجوفية.
ويقول المتخصص بعلم الهيدرولوجيا، عبد الجواد بوبيضة، إن العديد من المواطنين في مدينة زليتن يستخدمون مياه العيون دون إدراك لاحتمال تلوثها، مؤكدًا أن هذه المياه غير صالحة للاستخدام البشري بسبب اختلاطها بكميات كبيرة من مياه المجاري المنتشرة في المدينة ومحيطها.
وأكد بوبيضة أن هذه المدينة التي يقطنها أكثر من 250 ألف نسمة، تعاني من غياب منظومة صرف صحي متكاملة، حيث يتم تصريف مياه المجاري في آبار تقليدية، ما فاقم من المشكلة التي واجهتها زليتن العام الماضي، ملاحظًا أن المدينة التي تجمع بين مناطق مرتفعة وأخرى منخفضة، تشهد تصريفًا مباشرًا للمياه الملوثة نحو البحر.
يذكر أن هيئة السلامة وبلدية طرابلس حذرتا في مناشير عديدة هذا العام من مخاطر السباحة في الشواطئ القريبة من العاصمة جراء تلوث مياه البحر بمياه الآبار السوداء المنزلية التي تسببت في الكثير من الأمراض بين المصطافين منها الطفح الجلدي.
وأبلغ الباحث والأكاديمي الليبي رضا الهادي (وال) أن ليبيا تعاني منذ سنوات عديدة من مشكلة مياه الصرف الصحي، مشيرًا إلى أن أغلب محطات معالجة مياه الصرف الصحي متوقفة أو شبه متوقفة.
وكشف عن وجود مصبات لمياه الصرف الصحي غير المعالجة في العاصمة طرابلس وضواحيها على مستوى سوق الثلاثاء وحي الأندلس والسياحية وجنزور وسوق الجمعة وتاجوراء، وهي مناطق ذات كثافة سكانية عالية، تذهب مباشرة إلى البحر.
وأوضح أنه كان من المفترض أن يتم ربط المنازل في هذه المناطق بمحطة المعالجة الرئيسية بمشروع الهضبة المتعطلة حاليًا والتي لم يتم تطويرها رغم تضاعف الكثافة السكانية في المناطق الشعبية مع مرور الأعوام، حيث كانت المنازل المبنية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من دور أرضي، يضم الواحد منها عائلة بين ثلاثة وخمسة أشخاص، وأصبحت اليوم، بعد توقف المشاريع الإسكانية وقروض الإسكان لعقود، تتكون من دورين وثلاثة أدوار، فتضاعف عدد السكان وزادت نسبة مياه الصرف الصحي بشكل كبير.
أين تذهب مياه الصرف الصحي؟ يتساءل الأكاديمي الليبي، قبل أن يجيب أن هذه المياه الملوثة جدًا إما تمتصها الأرض لتلوث المياه الجوفية أو تنتهي في البحر لإفساد البيئة البحرية وتدميرها من خلال الصهاريج التي تفرغ مياه الصرف الصحي المنزلية في شبكات تصريف الأمطار.
وأكد الهادي – الذي قام بتحقيق استقصائي عن مياه الشرب المعدنية التي تُستخرج من الأرض الليبية وتُباع في السوق الليبي، وخلص إلى أن معظمها يفتقر لأبسط المواصفات الصحية – أن 80 في المائة من مياه الصرف الصحي على مستوى البلاد تنتهي إما في جوف الأرض أو في البحر، مبينا وفق دراسات موثقة، على سبيل المثال، أن 75 في المائة من مياه الصرف الصحي في مدينة زليتن تصب في البيارات وتتسرب إلى المياه الجوفية، وفي الزاوية تحوي البيارات 85 في المائة من مياه الصرف الصحي للمدينة وتمتصها الأرض.
وكشفت الدكتورة هند الصادق، أخصائية الأمراض الجلدية، أن هناك ارتفاعا ملحوظا هذا العام (2025) في عدد المواطنين الذين توجهوا إلى أقسام الأمراض الجلدية منذ بداية فصل الصيف نتيجة إصابتهم بحالات طفح والتهاب في الجلد بعد ارتيادهم البحر، موضحة أن الإصابات تراوحت بين التهابات سطحية وتهيجات جلدية، وأرجعت الأسباب إلى تلوث مياه البحر، التي أضحت غير صالحة للسباحة وباتت تشكل خطرا على الصحة العامة.
وأوضح مدير عام الإدارة العامة لمرافق الصرف الصحي، خالد صالح، أن مهمة شركة مياه الصرف الصحي تقتصر على تشغيل وصيانة الشبكة القائمة، وهي غير مسؤولة عن عملية التفريغ في غرف الصرف الخاصة بتصريف مياه الأمطار التي تقوم بها صهاريج تابعة لأشخاص يعملون لحسابهم الخاص.
وأكد صالح في حديث مع مراسلة لـ(وال) أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي في ليبيا ليست معطلة بالكامل، غير أنه كشف أن معظمها تحت الصيانة والتجديد ضمن مشروع يُشرف عليه جهاز الإسكان والمرافق.
وتحولت مراسلة لـ(وال) إلى مكان التفريغ في المجمع الرئيسي لتصريف مياه الأمطار تحت جسر طريق (قرقارش) لتثبيت الواقعة، إلا أن أصحاب السيارات رفضوا الإدلاء بأي تصريح واكتفوا بالقول: “نحن نقوم بعمليات التفريغ بعلم بلدية حي الأندلس”.
وفي هذا الصدد أبلغ عميد بلدية حي الأندلس، محمد حواص، المنتخب حديثًا، (وال) في اتصال هاتفي، أن العميد السابق للبلدية، المتهم بشبهات فساد والموقوف حاليًا بأمر من النيابة العامة، منح رسائل لأصحاب صهاريج نقل مياه الآبار السوداء لتفريغها في مجمع تصريف مياه الأمطار في منطقة قرقارش، واصفًا الإجراء بـ “الكارثة”، غير أن مدير فرع جهاز الحرس البلدي حي الأندلس، محمد مريسيط، أفاد (وال) أن الجهاز، كجهة ضبطية، يقوم بضبط هذه السيارات وإحالة أصحابها إلى النيابة العامة.
وتتوفر ليبيا على 62 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي في مختلف المناطق، معظمها إن لم يكن جميعها متعطلة بسبب انعدام الصيانة والتجديد. وأبرم جهاز الإسكان والمرافق عقودًا عام 2010 لصيانة محطات المعالجة لكن التنفيذ توقف بعد الأحداث التي شهدتها البلاد عام 2011.
وفي سياق متصل بهذه الكارثة البيئية، أفاد مقاولون أن الكثير من المقسمات السكنية العشوائية خارج التخطيط العمراني بنظام العمارات والشقق باتت تشكل تهديدًا خطيرًا على مخزون المياه الجوفية، حيث عمد أصحاب هذه المقسمات، المقامة فوق أراضٍ زراعية كان تفتيتها والبناء عليها يُعد جريمة يُعاقب عليها القانون حتى وقت قريب، إلى استبدال نظام البيارات المكلف ماديًا بربط مياه الصرف الصحي لتلك العمارات مباشرة مع آبار عميقة تجري فيها المياه يتم حفرها لهذا الغرض.
وتتوفر المزارع التي لا تزال قائمة في الضواحي الغربية والشرقية للعاصمة طرابلس، ولم تزحف عليها الكتل الإسمنتية، على آبار للري على أعماق تتراوح بين 70 و150 مترًا، وتنتج إلى اليوم الكثير من الخضروات والفواكه الموسمية. ويؤكد الخبراء أن هذه الآبار إن اختلطت بمياه الصرف الصحي الملوثة، إن لم تكن اختلطت بالفعل، ستشكل خطرًا كبيرًا على الصحة العامة.
يُجمع الخبراء على أن سوء إدارة مياه الصرف الصحي في ليبيا وسط الانتشار الواسع للآبار السوداء في مختلف المدن والقرى الليبية مع الارتفاع المضطرد لعدد السكان والتوسع في البناء العشوائي في غياب الدولة وتعطل قوانين حماية الأراضي الزراعية، سيُلحق، على المديين المتوسط والبعيد، أضرارا فادحة بالبيئة والصحة العامة، من خلال تلوث المياه الجوفية والتربة وانتشار الأمراض إلى جانب هبوط الأراضي وخطر تشقق المنازل، خاصة العمارات الشاهقة واحتمال انهيارها.
وحث هؤلاء الخبراء السلطات المعنية على الاهتمام بالبنى التحتية، على رأسها شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة وشبكات المياه الصالحة للشرب وشبكات الكهرباء، وهي بنى تحتية لا تراها العين المجردة وتتطلب استثمارات هائلة لكنها أساسية وحيوية لنجاح وديمومة البنى التحتية فوق الأرض.
إن ليبيا في حاجة ماسة اليوم إلى بناء محطات لتنقية مياه الصرف الصحي في مختلف المدن الليبية على غرار محطة الهضبة بطرابلس التي تخضع للصيانة حاليًا لمعالجة المياه الملوثة وتوجيهها للاستخدام في الأغراض الزراعية (علماً بأن مشروع الهضبة الخضراء الزراعي الذي أقيمت عليه المحطة تم السطو عليه وتحويل معظم أراضيه إلى مقسمات سكنية وكتل إسمنتية ميتة) وإعادة تأهيل شبكات التصريف القائمة وتطويرها، وإنشاء خطوط جديدة آمنة للمياه تلائم الزيادة السكانية، تذهب إلى البحر بعيدا عن الشواطئ. (الأنباء الليبية) س خ.
- متابعة: أميرة التومي
- تصوير: إسماعيل الكوربو