طرابلس 04 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) – تُعاني ليبيا منذ عقود من عمليات الصيد غير المشروع أو ما يُعرف بالصيد الجائر في البر والبحر، في انتهاك للقوانين المحلية والدولية، وتضاعف هذا الاعتداء على الحياة النباتية والحيوانية في البلاد بشكل كبير بعد انتفاضة 2011 وانتشار السلاح خارج سلطة القانون وتفكك مؤسسات الدولة.
ويصنف علماء البيئة الصيد غير القانوني على أنه جريمة بيئية تشمل أي نشاط يتعارض مع قوانين حماية الموارد الطبيعية المتجددة ولوائحها، بما في ذلك الانتهاك غير القانوني للحياة البرية بنية امتلاكها، أو نقلها، أو إبادتها، أو بيعها، أو استخدام أجزاء منها، واعتبروا الصيد الجائر أحد أخطر التهديدات لبقاء الحيوانات والنباتات.
ويرى المدير التنفيذي للجمعية الليبية لحماية الحياة البرية، حسام الدين الشفط، أن غياب القوانين الرادعة تسبب في انتشار عمليات الصيد الجائر التي باتت تهدد الثروة الحيوانية البحرية والبرية في ليبيا بالانقراض والتلاشي.
وأضاف الشفط في استطلاع أجرته وكالة الأنباء الليبية (وال) حول انتشار مقاطع مصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي عن عمليات صيد بالجملة أن انتشار السلاح والقوانين غير الرادعة ضاعفت عمليات الصيد غير المشروع مبينا أن عقوبة الصيد الجائر وفق القانون الذي يعود لعام 1968 حُددت بـ 50 دينارا، وهي عقوبة غير رادعة، بحسب قوله.
وأوضح في هذا الصدد أن الجمعية تسعى لإعادة النظر في قانون حماية البيئة ومنع الصيد في موسم التكاثر للمحافظة على أنواع الحيوانات البرية التي تمثل التنوع البيولوجي للبيئة الليبية مشيرا إلى أنه من الصعب إعطاء إحصائيات واضحة حول جرائم التعدي على الحيوانات البرية في ظل غياب القانون الرادع لجرائم الصيد، وانعدام الوسائل والتجهيزات الخاصة بملاحقة المخالفين.
وتابع أن هناك تهديدات بانقراض بعض الحيوانات البرية من البيئة الليبية منها الضبع والودان الليبي بسبب الصيد بالأسلحة الآلية الحربية واعتبر استخدام هذا النوع من الأسلحة جرائم قتل وحشية.
تُعد ليبيا موطنًا للعديد من الحيوانات البرية المتنوعة منها الضباع والفهود البرية وغزال الأيل والأرنب البري والكبش البري وغزال الودان والثعالب التي تعيش في الصحراء الليبية وفي بعض المناطق الجبلية.
وكشف مدير إدارة البيئة الطبيعية بوزارة البيئة، مكي العجيل، عن وجود إشكاليات كبرى في بعض المناطق الليبية حيث يتم بيع لحوم أنواع من الحيوانات البرية المحلية المهددة بالانقراض وحيوانات برية لها دور كبير في النظام البيئي الصحراوي أو الجبلي مشيرا إلى ورود العديد من الشكاوى إلى إدارته بهذا الخصوص.
وأفصح مكي في تصريح لـ (وال) عن البدء في تسيير دوريات لضبط هذه المحلات التي تساهم في تهديد الحياة البرية إلى جانب إطلاق حملة لتحسيس المواطنين وتوعيتهم لمقاطعة شراء هذه اللحوم واتخاذ الإجراءات الضرورية لفرض عقوبات بالسجن وغرامات مالية كبيرة ضد المخالفين مؤكدا أن السلطات الضبطية تنتظر إصدار القانون الخاص بالمحميات الطبيعية المعروض على مجلس النواب والمتضمن عقوبات بالحبس وغرامات مالية كبيرة لكل من أجرم في حق الطبيعة.
وأضاف العجيل أن المتورطين في انتهاك الحياة البرية في ليبيا يجهلون أن الدولة طرف في اتفاقية معاهدة التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنباتات البرية المهددة بالانقراض (سايتس) ما يُعرض السلطات الليبية لعقوبات جزائية مالية ثقيلة.
وأوضح أن ليبيا تتوفر على أربعة أنظمة بيئية وهي ميزة لبلادنا منها النظام الصحراوي الذي يحتوي على العديد من الأنواع البرية بالإضافة إلى النظام الجبلي، والنظام الساحلي والنظام المشترك بين الساحلي والصحراوي، وهذه الأنظمة غنية بالنباتات النادرة والحيوانات البرية مؤكدا أنه يجري حاليا العمل على تكوين بنك معلومات للثروة الحيوانية والنباتية والغابية في ليبيا.
وانضمت ليبيا في يناير 2003 إلى معاهدة (سايتس) الموقعة في واشنطن عام 1973، وهي من أهم المعاهدات الدولية الخاصة بالحفاظ على الأنواع البرية من خطر الانقراض.
يذكر أن الحيوانات المهددة بالانقراض في ليبيا تشمل غزال الريم، السلحفاة كلينماني، طائر الهباره، فقمة الراهب المتوسطية الموجودة على الساحل الليبي، الثعابين المحلية، الأفعى الصحراوية والحية القرنية (الكوبرا) المعرضة للاستغلال التجاري.
ودفعت حملات الصيد غير القانونية باستخدام البنادق الآلية والسيارات رباعية الدفع، الغزلان وحيوانات الودان والضبع وغيرها من الحيوانات البرية في البيئة الليبية للهجرة إلى مناطق مجاورة، والى المرتفعات في أقصى الحدود الجنوبية للبلاد.
وينص القانون رقم (15) لسنة 1971 في شأن حماية وتحسين البيئة، في مادته (57) أنه لا يجوز لأي شخص أن يصطاد إلا بعد الحصول على ترخيص أو إذن من جهات الاختصاص وبالشروط التي تحددها التشريعات النافذة.
ورصد فريق لـ (وال) من خلال التواصل مع بعض الصيادين الهواة انتشار عمليات صيد جائرة تظهر عشرات الذبائح البرية معروضة على سيارات رباعية الدفع يتباهى أصحابها باصطيادها في استنزاف للثروة الحيوانية البرية في ليبيا.
وعبر الصياد سامي الطرابلسي (45 عاما)، الذي يمارس هواية الصيد بالبندقية قبل أن تكون حرفة، عن استيائه من الصيد الجائر والعشوائي، مثل المطاردة بالسيارات واستخدام البنادق الأوتوماتيكية وبعض الكلاب بشكل غير مدروس، موضحا أن هذه الممارسات تهدد حياة الغزلان في الجنوب الليبي، مثل غزال (الريم) والودان، والكبش البري، التي باتت على وشك الانقراض ولم يبق منها إلا أعداد محدودة.
وأوضح أن لكل حيوان موسما محددا للصيد مبينا على سبيل المثال أن صيد الحمام القمري يكون أفضل في شهر سبتمبر، خاصة في الجنوب الليبي حيث الكثبان الرملية والمناخ الجاف والحار، ومن أبرز الطرائد توجد الأرانب، اليمام المهاجر، الحجل، الدراج، السمان والصقور.
وتابع الطرابلسي الذي زود (وال) بصور حية عن الفرائس، أن الغزلان لا تزال موجودة بأعداد محدودة جدًا في المناطق الجنوبية الحدودية، تجبرها قساوة المناخ على البحث عن مصادر المياه، ما يسهل تتبع أثارها واصطيادها غير أنه لفت إلى أن أهالي الجنوب عادةً ما يصطادون الغزلان ليس بغرض التجارة أو التربية، وإنما لتقديمها كوليمة لإكرام الضيف ما يجعلها عرضة للانقراض.
وعرض أحد القصابين عبر صفحته الخاصة على (فيسبوك) بيع لحوم غزال الأيل وغزال الودان المهدد بالانقراض، ما دفع فريقا من (وال) للتوجه إلى عين المكان حيث التقى صاحب المحل، عبدو بن جمعة، الذي صرح أن غزال الأيل المعروض مستورد من الخارج، وتحديدا من دولة أوكرانيا التي تتوفر على مراعي شاسعة رغم درجات الحرارة المنخفضة مبيناً أن هذه الفصيلة من الغزلان تعيش في المناطق الحارة والمناطق الباردة وعلى المستنقعات.
وتابع بن جمعة أن عمليات استيراد الأيل والودان كانت حكرا على كبار التجار قبل أن يقتحم الكثير من التجار هذا المجال واستوردوا الغزال على حسابهم الخاص موضحا أن هذا النوع يسمى الأيل وهو ذكر الغزال الذي يتميز بقرونه الطويلة.
وقال إن سعر بيع لحم الغزال للمستهلك يبلغ 110 دينار للكيلوغرام الواحد من الفصيلة ذات الحجم الصغير الذي يتراوح وزنه من 28 إلى 30 كيلوغراما بسعر إجمالي يصل إلى 3100 دينار فيما يتراوح سعر الغزال من الحجم الكبير من 5 إلى 6 آلاف دينار ويصل سعر انثى الغزال إلى 12 ألف دينارا.
وأفاد شهود عيان أن الكثير من هذه المحلات تستخدم لحوم الأيل المستورد كواجهة لبيع لحوم الحيوانات البرية الليبية القادمة من الجنوب كذبائح بناء على توصيات خاصة لزبائن محددين، ما دفع المدير التنفيذي للجمعية الليبية لحماية الحياة البرية، حسام الدين الشفط، للتعبير عن مخاوفه من توجه المواطنين لاستهلاك المنتوج المحلي في حال تم وقف استيراد غزال الأيل المعروض اليوم في بعض المحلات، قائلاً “إننا نسعى للمحافظة على الأنواع المحلية” غير أننا في حاجة إلى تحديث القوانين الرادعة للصيد الجائر.
إن قرارات منع الصيد الجائر في المحميات أو المناطق التي تُعد موطنا طبيعيا للحيوانات البرية مهمة، ومن شأنها الحفاظ على التنوع البيولوجي في ليبيا، إلا أن تطبيقها يحتاج إلى قانون رادع، وإلى دعم مأموري الضبط القضائي بكافة الوسائل، منها سيارات الدوريات والأسلحة الخاصة، وتحسيس المجتمعات المحلية بأهمية المحافظة على الثروة الحيوانية في مناطقهم، وتوعية الأفراد بضرورة حماية البيئة، وتوفير الظروف الملائمة لتبقى المحميات بعيدة عن أيادي العابثين، ومواطن آمنة للحيوانات البرية المحلية، الأمر الذي سيشجع على السياحة البيئية ويوفر مواطن شغل ومصادر دخل للمجتمعات المحلية في المناطق النائية. (الأنباء الليبية) س خ.
- متابعة محمد الزرقاني – زهرة الفيتوري
- تصوير: إسماعيل الكوربو