طرابلس 26 أكتوبر (الأنباء الليبية) – يمثل السادس والعشرين من أكتوبر من العام 1911 يوما حزينا في الذاكرة الليبية حيث قامت قوات الاحتلال الفاشستي الإيطالي في مثل هذا اليوم باقتلاع 5000 آلاف مواطن ليبي، رجالا ونساء وشيوخا وأطفالا، من أرضهم ومن أحضان أسرهم ومن محيط أحبتهم ونقلتهم في مراكب متهالكة مكدسين على بعضهم مثل السردين لتلقي بهم وسط المجهول في الجزر الإيطالية المهجورة.
ويسجل التاريخ الأسود لإيطاليا الفاشية أن قواتها بدأت في مثل هذا اليوم، قبل 114 عاما، عملية نفي جماعي لرجال المقاومة الليبية الذين تصدوا للموجة الأولى من هجوم قوات الاحتلال الفاشية على مدن الساحل الليبي كإجراء انتقامي غير مسبوق لإرهاب الليبيين والقضاء على مقاومتهم.
شنت إيطاليا الفاشية حربًا لإخضاع سكان ليبيا في أوائل الفترة الاستعمارية بعد تخلي الإمبراطورية العثمانية سنة 1912 عن ليبيا عقب معاهدة أوشي بعد الحرب العثمانية الإيطالية التي دامت بين عامي 1911-1912، غير أنها ووجهت بمقاومة باسلة سعت القوات الاستعمارية الإيطالية لإخمادها بشن حملات إرهابية تحت قيادة الجنرالات، بيترو بادوليو ورودولفو غراتسياني، واستخدام عمليات الإعدام الجماعي للسكان المدنيين ورجال المقاومة والنفي القسري وإقامة معسكرات الاعتقال البائسة في شرق البلاد حيث انتشرت الأمراض والمجاعة والموت البطيء، في سابقة هي الأولى في التاريخ.
استخدمت إيطاليا الفاشية تلك الجزر المهجورة، منها جزر تريميتي وبونزا وأوستيكا، كسجون وحشية حيث واجه المنفيون الأبرياء ظروفا قاسية وغير إنسانية لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة وكانوا فريسة للجوع والأمراض والإهمال دون أية رعاية صحية ما أدى إلى وفاة الكثير منهم ودفنهم دون شواهد بعيدا عن وطنهم.
إن إيطاليا التي اعتذرت يوم 30 أغسطس للشعب الليبي عن فترة الاحتلال الاستعماري (1911 – 1943) واعترفت بالمسؤولية عن الخسائر البشرية والمادية التي سببتها للشعب الليبي وعن الجرائم غير الإنسانية التي ارتكبتها في حق الليبيات والليبيين، وقدم رئيس وزرائها، الراحل سيلفيو برلسكوني، الاعتذار الرسمي نيابة عن بلاده في مدينة بنغازي معترفا بـ “الجراح الغائرة” التي تسبب بها الاستعمار الفاشستي الإيطالي، مطالبة اليوم بترجمة هذا الاعتذار إلى أفعال من خلال تنفيذ اتفاقية الصداقة والتعاون مع ليبيا دون المزيد من التأخير والمناورات.
لقد قامت إيطاليا الحديثة بخطوة تاريخية في الاعتراف بمظالم الاحتلال بعد إصرار ليبيا على هذا الاعتذار الرمزي في شكله والعميق في معانيه، وهي خطوة أحرجت كافة القوى الاستعمارية عبر العالم التي نكلت بالشعوب الآمنة في أوطانها ونهبت مقدراتها وثرواتها، وسيكون لها صدى على المستوى العالمي لترميم صدوع الذاكرة لكافة الشعوب التي رزحت تحت نير الاستعمار وجوره. (الأنباء الليبية ـ طرابلس)