بنغازي 21 أكتوبر 2025 (الأنباء الليبية) – في ساعات الصباح الأولى، جلس الحاج سالم أمام أحد المصارف في بنغازي، ينتظر دوره لسحب جزء من معاشه التقاعدي.
يروي بحسرة: “كل شهر نواجه نفس المعاناة، نقف في طوابير طويلة، وأحيانًا نعود خاليي الوفاض”. هذا المشهد المتكرر في معظم المدن الليبية يعكس الأزمة الحادة في السيولة التي تؤثر على حياة المواطن اليومية وتزعزع استقراره المعيشي.
في هذا السياق، أوضح رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور أحمد حلمي، لوكالة الأنباء الليبية، أن الاستمرار في طباعة العملة ليس حلًا فعليًا لأزمة السيولة، بل قد يؤدي إلى تفاقمها إذا لم يصاحبه إصلاح هيكلي في الاقتصاد وسياسات مالية صارمة ومنضبطة.
وأشار الدكتور حلمي إلى أن الأزمة لا تكمن في نقص كمية النقد المطبوعة، وإنما في خلل توزيع الأموال ووظائفها داخل الجهاز المصرفي، موضحًا أن العملة متداولة في السوق لكنها محتجزة خارج المصارف بسبب فقدان الثقة بين المواطنين والمؤسسات المالية.
وأضاف أن هذا الوضع يدفع الأموال للدوران خارج الإطار الرسمي، مما يضعف الدورة الاقتصادية ويزيد الضغط على المصارف التي تواجه طلبًا مرتفعًا على السيولة النقدية دون توفر ما يكفي لتغطيتها.
قصة المواطن عادل البصير… فقدان الثقة في النظام المصرفي
يروي المواطن عادل البصير، صاحب متجر صغير في أحد أحياء بنغازي، تجربته مع النظام المصرفي قائلاً: “كنت أودع إيرادات المحل يوميًا في المصرف، لكن في كل مرة أجد صعوبة في سحبها. أحيانًا يخبرونني بعدم توفر سيولة، وأحيانًا يحددون لي مبلغًا صغيرًا لا يكفي لتغطية مصروفات البضاعة”.
وأضاف بأسى: “في النهاية قررت الاحتفاظ بالنقود في البيت. قد لا يكون هذا آمنًا، لكنه أفضل من بقاء أموالي مجمدة في الحساب، خاصة مع فقدان النقود قيمتها أسبوعًا بعد أسبوع نتيجة ارتفاع الأسعار”.
تعكس قصة عادل واقعًا اقتصاديًا تعيشه شريحة كبيرة من الليبيين الذين فضلوا سحب مدخراتهم والاحتفاظ بها خارج المصارف، ما يفاقم أزمة السيولة ويعيق دوران النقد داخل النظام المصرفي.
الخبير الاقتصادي: الثقة هي مفتاح الحل
أكد الدكتور حلمي أن فقدان الثقة بين المواطن والمصرف هو جوهر الأزمة، مشبهًا طباعة العملة في هذه الظروف بـ”ملء وعاء مثقوب”، حيث تكمن المشكلة في التسرب المستمر للنقد وليس في كميته.
وبيّن أن طباعة المزيد من النقود دون غطاء حقيقي من الاحتياطيات الأجنبية أو الإنتاج المحلي يؤدي إلى تضخم نقدي وتراجع القوة الشرائية للدينار الليبي، كما يؤثر سلبًا على سعر الصرف في السوق الموازية ويزيد من تآكل الثقة في العملة الوطنية.
وختم رئيس قسم الاقتصاد بالتأكيد على أن الحل الحقيقي لأزمة السيولة يتطلب إعادة بناء الثقة بالنظام المصرفي من خلال الشفافية في إدارة الأموال العامة، وضمان حرية السحب التدريجي، إلى جانب تحفيز الإيداع وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني لتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
وأشار إلى أن التنسيق بين السياسة المالية للحكومة والسياسة النقدية للمصرف المركزي هو الأساس، موضحًا أن “الثقة هي العملة الأهم التي يجب إصدارها قبل أي أوراق نقدية جديدة، لأنها وحدها القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد وإحياء النظام المصرفي”. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: أحلام الجبالي