بنغازي 02 سبتمبر 2025 (الأنباء الليبية) – في ظل تنامي استخدام تطبيق “تيك توك” عالميًا ومحليًا، أظهرت دراسات حديثة أن الخوارزميات التي يعتمدها التطبيق تلعب دورًا كبيرًا في جذب المستخدمين وإبقائهم لفترات طويلة أمام المحتوى، ما يُثير مخاوف بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية، خاصة بين فئة الشباب. فما هو السر الكامن وراء هذه الخوارزمية التي تسيطر على عقول الملايين؟
تعتمد خوارزمية “تيك توك” على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل سلوك المستخدم واقتراح مقاطع فيديو بشكلٍ متواصل، مما يُؤدي إلى ما يُعرف بحالة “التدفق” التي تجعل المستخدم غارقًا في المحتوى دون وعي بالزمن، بحسب دراسة أجريت على 659 مراهقًا في الصين.
كما أظهرت مراجعة شملت أكثر من 11.460 ألف مستخدم أن الاستخدام المفرط للتطبيق مرتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب، خاصة لدى الفئة العمرية تحت 24 عامًا، مع تأثر أكبر بين النساء الجامعيات، فيما أشارت دراسات أخرى حديثة “تحليل استقصائي” إلى ارتفاع معنويات الاكتئاب بين حوالي 15.800 مستخدم، كما تشير دراسات أخرى إلى التمرير المستمر (scrolling).، تسبب في تراجع القدرة على التركيز والتخطيط، خاصة عند الانقطاع المفاجئ عن مهام مركزة، مما يعزز فكرة تأثير “الاقتصاص السياقي” في هذه المقاطع.
تداعيات محلية مقلقة
وفي السياق الليبي، أكّد اختصاصيون نفسيون تزايد ظاهرة الإدمان الرقمي، خاصةً لدى الشباب، في ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها البلاد.
وأشار الدكتور أحمد الهمالي، اختصاصي الطب النفسي، إلى أن استخدام تيك توك أصبح مُرتبطًا بزيادة أعراض القلق والتشتت الذهني، مُطالبًا ببرامج توعوية عاجلة للحد من الآثار السلبية.
خوارزمية مصمّمة للإدمان
من جانبه، يوضح عميد كلية تقنية المعلومات بجامعة القادة عبد الله الأوجلي، قائلا “أن تطبيق تيك توك يستخدم خوارزميات تعلم الآلة والتحليل العميق لسلوك المستخدمين حيث يقوم بتحليل السلوك الفردي لكل مستخدم من خلال تتبع أنشطته، مثل الإعجابات بالمحتوى، ليتمكن من فهم اهتمامات المستخدم، هذه الخطوة تعتبر الأساس الذي يبدأ منه التطبيق في اقتراح محتوى مشابه، لكنه لا يقتصر على ما يفضله المستخدم فقط، بل يقترح أنواعًا جديدة من المحتوى لقياس ردود فعله، وهو ما يعزز تفاعل المستخدم باستمرار).
وأضاف أن التمرير المستمر(scrolling) يعمل كـ”مكافأة متغيرة” تشبه المقامرة، حيث يزداد احتمال أن يكون المحتوى التالي أكثر متعة، ما يزيد من احتمالات الانخراط فتيك توك يعتمد بشكل رئيسي على نموذج توليد المحتوى، بحيث يقترح باستمرار محتوى أكثر جاذبية وتخصيصًا لكل مستخدم.
وأشار إلى أن الإدمان على هذه التطبيقات يحدث عبر ثلاث عوامل رئيسية أن يكون المحتوى قصيرًا وسريعًا، أن يكون مخصصًا بشكل شخصي وفق اهتمامات واحتياجات المستخدم، التحفيز العصبي العلمي، حيث يؤدي مشاهدة محتوى ممتع إلى إفراز الدوبامين في الدماغ، مما يحفز المستخدم على البحث عن محتوى مشابه.
وأوضح أن منصات أخرى مثل فيسبوك (فيديو الريلز) تعمل بنفس النظرية، مستفيدة من الهندسة العصبية السلوكية فمثلاً عند مشاهدة المستخدم لمقطع الريلز بالكامل، أو تسجيل الإعجاب به، أو مشاركته مع صديق، يقوم الذكاء الاصطناعي بتسجيل هذه السلوكيات لتقديم محتوى أكثر تخصيصًا.
كما أشار إلى أن الأجهزة الذكية تساهم أيضًا في تحليل سلوك المستخدم ” مثلا ما يُقال عبر الهاتف حيث يستخدم الميكروفون للبحث نيابة عنك، فتظهر لك إعلانات أو محتوى متعلق بما تحدثت عنه وأيضا تحديد الموقع الجغرافي فعند تواجدك في نفس المبنى مع شخص ما، تظهر لك منصة التواصل الاجتماعي ضمن الأصدقاء المقترحين، رغم أنك لا تعرفه شخصيًا.
وأكد أن أي خيار لمشاهدة المزيد من المحتوى يولد تلقائيًا المزيد من نفس النوعية، ما يعزز التعلق بالتطبيقات.
وأضاف: “كل شيء مجاني على الإنترنت، أنت هنا السلعة الحقيقية”، حيث تعتمد هذه التطبيقات على الإعلانات الممولة وبيع الرموز الافتراضية (كالوردة والأسد) للحصول على الإيرادات. كما تلعب التعلق بالمشاهير ودعمهم المالي دورًا في تعزيز الأرباح لشركات هذه التطبيقات.
تحركات دولية وقانونية
على المستوى العالمي، بدأت دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، في اتخاذ خطوات قانونية ضد تيك توك. ففي مايو عام 2024، رفعت ولاية نبراسكا دعوى قضائية تتهم التطبيق بالتسبب في الإدمان، ما يسلّط الضوء على ضرورة تنظيم الخوارزميات ومحاسبة الشركات التقنية على آثارها الاجتماعية.
كما حذر الكاتب وعالم الاجتماع جوناثان هايدت، من أن تيك توك يُشكل خطرًا أكبر على الصحة النفسية للشباب، مقارنةً بالنُسخ الصينية من التطبيق، بسبب خوارزميات تشجع على الاستهلاك المطول دون وعي.
توصيات الخبراء
دعا خبراء ليبيون إلى: تعزيز التوعية الرقمية في المدارس والجامعات، وتشجيع تحديد وقت الاستخدام اليومي للتطبيقات، ودعم الصحة النفسية من خلال الأنشطة البديلة والبيئات الواقعية، وسنّ تشريعات رقمية تنظم عمل خوارزميات المحتوى وتحمّل المنصات المسؤولية.
الخلاصة
بين الترفيه والإدمان، يُبرّز “تيك توك” كأحد أكثر التطبيقات تأثيرًا على السلوك الرقمي والنفسي، خاصةً لدى فئة الشباب. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن نتحكم في التكنولوجيا، أم أنها أصبحت تتحكم بنا؟. (الأنباء الليبية – بنغازي) ر ت
تقرير | هدى الشيخي