طرابلس 22 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – يأتي تأسيس الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال، التابعة للهيئة الليبية للبحث العلمي، في إطار التوجه نحو تنظيم الجهود العلمية والتربوية المعنية بتنمية التفكير النقدي لدى الأطفال، وتطوير أساليب تعليمية تقوم على الحوار والتساؤل والاستدلال، بما يعزز قدرتهم على التعبير عن آرائهم ومناقشة الأفكار واحترام الاختلاف.
وأكدت الدكتورة سرتية صالح حسين مفتاح العاتي، المتخصصة في الفلسفة السياسية المعاصرة والخبيرة الإقليمية المعتمدة في مجال الفلسفة مع الأطفال وصاحبة فكرة تأسيس الجمعية، في تصريحات لوكالة الأنباء الليبية، أهمية إيجاد إطار مؤسسي يُعنى بتطوير هذا المجال، من خلال البرامج التربوية والتدريبية والبحوث العلمية، وتأهيل المختصين القادرين على تطبيق منهجيات الحوار الفلسفي في البيئات التعليمية.
وأوضحت أن فلسفة الأطفال تقوم على إشراك الطفل في بناء المعرفة، بدلًا من اقتصار دوره على تلقي المعلومات وحفظها، عبر إتاحة الفرصة له لطرح الأسئلة، وفحص الأفكار، ومناقشة الآراء، وتقديم المبررات، ومراجعة استنتاجاته في ضوء ما يطرحه الآخرون من أدلة ووجهات نظر.
منهجيات الحوار وتنمية التفكير
وبيّنت العاتي أن منهجية «مجتمع التساؤل» تُعد من المداخل الأساسية في فلسفة الأطفال، إذ تتيح تنظيم حوارات جماعية يتشارك فيها الأطفال طرح الأسئلة ومناقشة الموضوعات والبحث عن المعاني والمبررات، ضمن بيئة تشجع على الإصغاء المتبادل واحترام الآراء المختلفة.
وأشارت إلى أن هذه المنهجية تتجاوز مجرد إتاحة المجال أمام الطفل للتعبير عن رأيه، لتشمل تدريبه على التفكير في مضمون ما يقوله، والتمييز بين الرأي والحجة، وفهم العلاقة بين الادعاء والدليل، وتحليل المواقف التي تحتمل تفسيرات أو إجابات متعددة.
وأضافت أن المعلم أو الميسّر يؤدي دورًا محوريًا في إدارة الحوار وتهيئة الظروف المناسبة للتفكير، من خلال طرح الأسئلة المحفزة وتشجيع المشاركين على مناقشة أفكارهم، بدلًا من تقديم إجابات جاهزة تحد من فرص الاستكشاف والاستدلال.
وأكدت أن ممارسة الحوار الفلسفي يمكن أن تدعم تنمية الثقة بالنفس ومهارات التعبير والتفكير المنطقي، إلى جانب تعزيز القدرة على تقبّل تعدد وجهات النظر والتعامل مع الاختلاف، بما يساعد الأطفال على اكتساب مهارات التواصل والمشاركة الواعية في المجتمع.
التفكير النقدي في البيئة الرقمية
وفيما يتعلق بتأثير التحول الرقمي في الأطفال، أوضحت العاتي أن التعامل مع التكنولوجيا لا ينبغي أن يقتصر على اكتساب مهارات استخدامها، بل يستلزم تنمية القدرة على تحليل المحتوى الرقمي وفهمه، والتحقق من مصادر المعلومات، والتمييز بين الحقائق والآراء والادعاءات.
وأضافت أن الانتشار الواسع للمحتوى الرقمي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي يفرضان أهمية متزايدة لتنمية مهارات التساؤل والتحليل والتفكير النقدي، بما يساعد الأطفال على تقييم المعلومات التي يتلقونها، وفهم تأثيراتها، وإدراك المسؤولية المرتبطة باستخدام الأدوات الرقمية.
وشددت على أن التفكير المستقل يتطلب تدريب الطفل على عدم التسليم بالأفكار دون مناقشتها، وفحص الأدلة والمبررات التي تستند إليها قبل تكوين الأحكام، مشيرة إلى إمكانية توظيف الحوار الفلسفي في تناول قضايا من الحياة اليومية للأطفال، فضلًا عن موضوعات التكنولوجيا والبيئة والعلاقات الإنسانية.
وأوضحت أن مناقشة هذه الموضوعات تتيح للأطفال فهم محيطهم بصورة أعمق، والتفكير في التحديات التي يواجهونها، وتطوير قدرتهم على التعامل معها من خلال الحوار والتحليل وتبادل وجهات النظر.
التدريب والبحوث وبناء الشراكات
وأكدت العاتي أن تطوير فلسفة الأطفال يتطلب العمل على مجموعة من المسارات المتكاملة، تشمل تنظيم الورش والبرامج التدريبية، وتأهيل المعلمين والميسّرين، وتشجيع البحوث والدراسات المتخصصة، وإقامة الفعاليات العلمية والثقافية التي تسهم في التعريف بهذا المجال وتوسيع نطاق تطبيقه.
وأشارت إلى أن تأهيل الميسّرين لا يقتصر على التعريف بمبادئ فلسفة الأطفال، بل يشمل تدريبهم على إدارة الحوارات الفلسفية، وصياغة الأسئلة التي تحفز التفكير، وتشجيع الأطفال على تقديم الأدلة ومناقشة الأفكار، وضمان مشاركة الجميع في بيئة تراعي اختلاف الآراء والفروق الفردية.
وأضافت أن الشراكات مع المؤسسات التعليمية والبحثية والثقافية تمثل مجالًا لتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الدولية، وتطوير برامج تتناسب مع احتياجات الأطفال في ليبيا وخصوصية المجتمع الثقافية والاجتماعية.
ولفتت إلى أهمية البحوث والدراسات في تقييم أثر البرامج المطبقة، وتطوير أساليب تنفيذها، والتعرف إلى مدى إسهامها في تنمية مهارات التفكير والتواصل لدى الأطفال، بما يساعد على تحسين الممارسات التربوية والاستناد إلى نتائج علمية في تطويرها.
بناء الشخصية واحترام الاختلاف
وأوضحت العاتي أن الأبعاد التربوية لفلسفة الأطفال تشمل، إلى جانب تنمية القدرات المعرفية، تعزيز مهارات التواصل والإصغاء واحترام الآخرين، وتدريب الأطفال على مناقشة الآراء المتباينة بالحجة، وإعادة النظر في مواقفهم عندما تظهر أدلة أو مبررات جديدة.
وأكدت أن منح الطفل مساحة للتعبير عن رأيه ومناقشة الأفكار يسهم في تعزيز ثقته بقدراته الفكرية وبناء شخصيته، كما يساعده على تعلم التعامل مع الخلاف دون إقصاء الآخرين أو رفض آرائهم لمجرد اختلافها عن رأيه.
وبيّنت أن ترسيخ هذه الممارسات لا يقتصر على المؤسسات التعليمية، بل يتطلب تعاونًا بين المؤسسات التربوية والثقافية والأسر، من أجل توفير بيئة تشجع الأطفال على طرح الأسئلة والتعبير عن أفكارهم، وتجعل الحوار جزءًا أساسيًا من عملية التعلم والتنشئة.
توطين التجربة في ليبيا
وفيما يتعلق بآفاق تطوير هذا المجال، أكدت العاتي أن تأسيس الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال يوفر إطارًا مؤسسيًا لتوسيع الأنشطة المتخصصة، وتعزيز التعاون مع المؤسسات العلمية والتربوية، والاستفادة من الخبرات العربية والدولية في إعداد البرامج وتطوير الممارسات ذات الصلة.
وأوضحت أن توطين فلسفة الأطفال في ليبيا يستدعي الإفادة من التجارب المختلفة مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الليبي واحتياجات أطفاله، بما يتيح تطوير تطبيقات تربوية ملائمة للبيئة المحلية، بدلًا من نقل التجارب دون مراعاة سياقها.
وأضافت أن تحويل أهداف الجمعية إلى برامج عملية مستدامة، وتوسيع قاعدة المستفيدين من أنشطتها، يمثلان جانبين مهمين في تعزيز حضور فلسفة الأطفال داخل المؤسسات التعليمية والثقافية، وتطوير الممارسات التربوية المرتبطة بتنمية التفكير والحوار.
ويضع تأسيس الجمعية مجال فلسفة الأطفال ضمن مسارات العمل العلمي والتربوي المنظم في ليبيا، مع التركيز على تنمية قدرات الأطفال على التحليل والاستدلال والتواصل واحترام الاختلاف، وتعزيز مشاركتهم الواعية في المجتمع من خلال بيئات تعليمية تتيح التساؤل والمناقشة والتفكير المستقل.(الأنباء الليبية) ك و
متابعة: أحلام الجبالي