بنغازي 18 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- تبرز الزراعة بلا تربة بوصفها أحد الخيارات الحديثة لتطوير إنتاج الخضروات في ليبيا، في ظل محدودية الأراضي الصالحة للزراعة وشح المياه وتأثيرات تغير المناخ، فيما تفتح تجارب محلية في بنغازي المجال أمام بحث فرص الاستفادة من هذه التقنية وتحديات التوسع فيها.
وتعتمد الزراعة المائية على تنمية النباتات دون استخدام التربة، من خلال إيصال المياه والعناصر المغذية مباشرة إلى الجذور، فيما تجمع الزراعة الأحيومائية بين إنتاج النباتات وتربية الأسماك ضمن نظام متكامل يتيح الاستفادة من المخلفات السمكية في تغذية النباتات.
ويكتسب هذا التوجه أهمية في بلد تغطي الصحراء نحو خمسة وتسعين في المئة من مساحته، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يشير إلى أن التصحر واستنزاف المياه يمثلان تحديين أمام الأمن الغذائي. كما يوفر مشروع النهر الصناعي نحو ستين في المئة من المياه العذبة في ليبيا، اعتمادًا على خزانات جوفية غير متجددة، ما يعزز الحاجة إلى البحث عن أساليب أكثر كفاءة في استخدام الموارد المائية.
وتحضر تقنيات الزراعة المائية والعمودية والدقيقة ضمن الاهتمامات الأكاديمية والبحثية في ليبيا، إذ تتناولها مقررات قسم الإنتاج النباتي بكلية الزراعة في سلوق التابعة لجامعة بنغازي، إلى جانب موضوعات إدارة المياه والتقنيات الزراعية الحديثة التي يعرضها مركز البحوث الزراعية.
تجارب محلية وفرص للتوسع
وفي بنغازي، وثقت منظمة “سبارك” تجربة شركة “بنغازي الخضراء”، التي تأسست عام 2023 بهدف إنتاج الخضروات محليًا ونقل الشتلات إلى وحدات الزراعة المائية، في خطوة تعكس اهتمامًا متزايدًا بتجربة أساليب إنتاج بديلة.
وفي حديث خاص لوكالة الأنباء الليبية، قال محمد منصور مفتاح، مؤسس “متجر ريحان بنغازي للزراعة”، إن الزراعة المائية لا تزال حديثة نسبيًا في السوق المحلية، مشيرًا إلى أن محدودية التوعية الإعلامية بهذه التقنيات من العوامل التي تحد من الإقبال عليها.
وأوضح مفتاح أن ارتفاع تكاليف التأسيس يمثل أحد أبرز التحديات أمام المزارعين والمستثمرين الراغبين في دخول هذا المجال، لكنه يرى أن المزايا التي توفرها التقنية تجعل الاستثمار فيها جديرًا بالدراسة.
وأضاف أن تشغيل الأنظمة لا يقتصر بالضرورة على الاعتماد على الكهرباء التقليدية، إذ يمكن الاستفادة من مصادر الطاقة البديلة لتشغيل مضخات المياه وتوفير الأكسجين اللازم للجذور، أو تشغيل مراوح التهوية، بما يساعد على تلبية الاحتياجات التشغيلية للمشروع.
وشدد على أهمية إلمام المستثمر بأساسيات الزراعة المائية ومتطلبات تشغيلها قبل البدء، مؤكدًا أن المجال يتيح فرصًا للاستثمار، وأن تحقيق عوائد مجدية يرتبط بحسن إدارة المشروع ومعرفة احتياجات المحاصيل وتكاليف الإنتاج.
كفاءة المياه في الاختبار
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” إلى أن تجربة زراعة الطماطم في الأردن سجلت استهلاكًا بلغ نحو ثلاثة وستين لترًا من المياه لإنتاج كيلوغرام واحد بالزراعة التقليدية، مقابل ستة وعشرين لترًا بالزراعة المائية، وهي نتائج تعطي مؤشرًا على إمكان تحسين كفاءة استخدام المياه، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مقدار الوفر الذي يمكن تحقيقه في البيئة الليبية.
وفي السياق ذاته، قارنت دراسة ليبية بين زراعة الجرجير باستخدام النظام المائي والزراعة بالتربة، وسجلت نسبة إنبات بلغت نحو 78.7 في المئة في النظام المائي، مقابل 26 في المئة في التربة، مع إنتاجية أعلى بأربعة أضعاف وفق نتائج الدراسة.
غير أن الاستفادة من هذه النتائج تتطلب تجارب محلية تقيس استهلاك المياه والطاقة، وحجم الإنتاج، وتكاليف التشغيل، ومدى ملاءمة الأنظمة للظروف المناخية وأنواع المحاصيل المزروعة.
ولا تتوافر في المصادر الرسمية المفتوحة بيانات شاملة تحدد عدد مشاريع الزراعة المائية في بنغازي أو إجمالي إنتاجها واستهلاكها للمياه، الأمر الذي يجعل تقييم انتشار التقنية وأثرها الاقتصادي والبيئي بحاجة إلى معلومات أكثر انتظامًا ودقة.
تكاليف التشغيل واستدامة المشاريع
وعلى الرغم من المزايا المحتملة، تواجه الزراعة المائية تحديات تتعلق بتكاليف إنشاء الأنظمة وشراء المضخات والمحاليل المغذية، إلى جانب الصيانة ومراقبة حموضة المياه ودرجات الحرارة وتوفير التبريد والتهوية، فضلًا عن الحاجة إلى مصدر كهرباء مستقر.
وتتطلب هذه العوامل إعداد دراسات جدوى تراعي طبيعة المحاصيل المستهدفة وأسعار مستلزمات الإنتاج وتكاليف الطاقة والصيانة، مع تدريب العاملين على ضبط الأنظمة واكتشاف الأعطال، إذ قد يؤثر أي خلل في ضخ المياه أو توفير الأكسجين في نمو النباتات والإنتاج.
وتكشف تجارب أخرى في زليتن وطرابلس عن اهتمام محلي بالتقنيات الزراعية الحديثة، إلا أن توسيع استخدامها يظل مرتبطًا بتوافر الخبرة الفنية والتمويل، وتطوير الإرشاد الزراعي، ووجود سوق قادر على استيعاب الإنتاج بأسعار تغطي تكاليفه.
كما تبرز الحاجة إلى قاعدة بيانات تشمل المساحات المزروعة وكميات الإنتاج واستهلاك المياه والطاقة، إلى جانب إرشادات فنية واضحة وضوابط للترخيص والرقابة تتولاها الجهات المختصة بقطاع الزراعة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الزراعة بلا تربة قد تمثل فرصة لتعزيز إنتاج الخضروات وتحسين إدارة المياه في ليبيا، لكن نجاحها في بنغازي لن يتوقف على إدخال التقنية وحدها، بل على اختبار جدواها محليًا، وتوفير التدريب والطاقة، وضبط تكاليف التشغيل، بما يسمح بتحويل التجارب المحدودة إلى مشاريع قابلة للاستمرار والتوسع. (الأنباء الليبية) ك و
رهام العبيدي