بنغازي 28 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية)- تدخل السوق الليبية، اعتبارًا من الأربعاء المقبل، مرحلة جديدة في تنظيم عمليات توريد السلع والبضائع المخصصة للتجارة، مع بدء العمل بقرار وزير الاقتصاد والتجارة رقم (449) لسنة 2026، الذي يحظر توريد السلع التجارية خارج القنوات المصرفية، ويشترط للإفراج عن الشحنات استيفاء المتطلبات المصرفية والتجارية والجمركية وتقديم المستندات المثبتة للقيمة الحقيقية للشحنة.
ويتزامن ذلك مع اتفاق مصرف ليبيا المركزي ووزارة الاقتصاد والتجارة على إجراءات لتنظيم وتسهيل فتح الاعتمادات المستندية المخصصة لتمويل توريد السلع والاحتياجات الأساسية، بما يستهدف انتظام تدفق السلع ودعم استقرار الأسعار وتوازن السوق المحلية.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت أظهرت فيه بيانات الرقم القياسي لأسعار المستهلك الصادرة عن مصلحة الإحصاء والتعداد، والمنشورة عبر مصرف ليبيا المركزي، ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 14.3 بالمئة في أغسطس 2026، فيما ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك إلى 116.6 نقطة، مقارنة بـ102 نقطة في أغسطس 2025، وفق سنة الأساس 2024.
النقد الأجنبي وتكلفة الاستيراد
وأظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن إجمالي استخدامات المصارف التجارية من النقد الأجنبي خلال الفترة من يناير إلى نهاية أغسطس 2026 بلغ نحو 17.33 مليار دولار، مع تصدر الاعتمادات المستندية جانبًا رئيسيًا من استخدامات النقد الأجنبي خلال الفترة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز التساؤل حول مدى قدرة تنظيم الاستيراد وتوفير النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية على خفض كلفة السلع، وما إذا كان انخفاض كلفة التمويل والاستيراد سينتقل بالفعل إلى المستهلك، أم أن عوامل أخرى مرتبطة بالمنافسة والتوزيع والتسعير قد تحد من هذا الأثر.
وقال رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار، الدكتور سلامة الغويل، إن تنظيم عمليات توريد السلع عبر القنوات المصرفية يمثل خطوة مهمة نحو إظهار التكلفة الحقيقية للاستيراد وتعزيز الشفافية في السوق، موضحًا أن ضبط مسار العملية التجارية منذ تمويل السلعة وحتى دخولها إلى السوق يساعد على معرفة الكلفة الفعلية التي بُني عليها سعر البيع.
وأضاف الغويل أن الحصول على النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية لا ينبغي أن ينتهي أثره عند المستورد، وإنما يفترض أن يظهر في التكلفة النهائية للسلعة، مشيرًا إلى أن انخفاض تكلفة الحصول على العملة لا يعني تلقائيًا انخفاض الأسعار ما لم تتم متابعة المراحل اللاحقة من سلسلة التوريد.
وأكد أن مجلس المنافسة ومنع الاحتكار ينظر إلى السوق من زاوية حرية المنافسة وعدالة شروطها، موضحًا أن مهمة المجلس ليست تحديد أسعار السلع بصورة مباشرة، وإنما رصد الممارسات التي قد تضر بالمنافسة أو تؤدي إلى استغلال الوضع السوقي على حساب المستهلك.
سلسلة التوريد تحدد السعر النهائي
وأشار الغويل إلى أن السعر النهائي للسلعة لا يتحدد بسعر الدولار وحده، وإنما يدخل في تكوينه عدد من العناصر، من بينها قيمة السلعة عند الاستيراد، وتكاليف النقل والتأمين والتخليص والتخزين والتوزيع، إلى جانب هوامش الربح في مختلف مراحل التداول.
وقال إن المشكلة تظهر عندما يتغير أحد عناصر التكلفة بينما يبقى السعر النهائي ثابتًا دون تفسير اقتصادي واضح، مؤكدًا أن وجود بيانات دقيقة عن تكلفة السلعة عند الاستيراد وأسعار تداولها في المراحل المختلفة من شأنه أن يساعد الجهات المختصة على التمييز بين الارتفاعات التي تفرضها التكاليف الحقيقية وتلك التي قد تنتج عن ممارسات غير تنافسية.
وبيّن الغويل أن قرار تنظيم التوريد، بما يتضمنه من اشتراط تقديم المستندات التي تثبت القيمة الحقيقية للشحنات التجارية، يوفر للجهات المعنية معلومة أساسية يمكن البناء عليها في تحليل السوق، لأن معرفة القيمة الحقيقية للسلعة عند دخولها إلى البلاد تعد نقطة البداية في تقييم تكلفتها ومقارنتها بسعر بيعها لاحقًا.
وأضاف أن الشفافية في قيمة الواردات لا تخدم الجهات الرقابية فقط، بل تساعد أيضًا في بناء سوق أكثر قدرة على المنافسة، إذ إن وضوح المعلومات يحد من الفجوات التي يمكن أن تستغل في عمليات التسعير غير المبررة أو في إخفاء فروق كبيرة بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع.
الربط الإلكتروني ومتابعة أثر الإجراءات
وفي السياق ذاته، اعتبر الغويل أن إلزام الموردين والمصدرين بالتسجيل في النظام الرقمي الموحد للتجارة يمثل تطورًا مهمًا في تنظيم التجارة الخارجية، خصوصًا مع توجه النظام إلى الربط الإلكتروني مع المصارف والجمارك والموانئ والمناطق الحرة وغرف التجارة والصناعة ومراكز الرقابة الفنية على السلع.
وأوضح أن الربط الإلكتروني بين الجهات ذات العلاقة يمكن أن يوفر صورة أكثر اكتمالًا عن حركة السلعة منذ دخولها إلى البلاد وحتى تداولها، وهو ما يتيح مستقبلًا بناء مؤشرات أكثر دقة عن تكلفة الاستيراد وحجم المنافسة وتركيز النشاط في قطاعات معينة.
ولفت إلى أن تعدد الموردين وتكافؤ فرص الوصول إلى السوق عنصران أساسيان في حماية المنافسة، مبينًا أن توفر السلعة في السوق لا يعني بالضرورة وجود منافسة كافية، إذ إن تركّز الاستيراد أو التوزيع في عدد محدود من المتعاملين قد يؤثر في قدرة السوق على ضبط الأسعار من خلال المنافسة.
وأكد أن المجلس ينظر إلى هذه المسألة من خلال متابعة هيكل السوق وليس السعر وحده، لأن فهم عدد الموردين وحصصهم وطبيعة العلاقات التجارية بينهم يوفر صورة أدق عن مستوى المنافسة، ويكشف في حال وجود ممارسات قد تقيد دخول منافسين جدد أو تحد من حرية السوق.
وقال الغويل إن الفترة المقبلة ستكون مهمة في قياس النتائج الفعلية للإجراءات الجديدة، داعيًا إلى عدم الاكتفاء بمتابعة حجم الاعتمادات أو قيمة النقد الأجنبي الموجه للاستيراد، وإنما متابعة أثر هذه الإجراءات على السلع في الأسواق المحلية.
وأضاف أن المعيار الحقيقي لنجاح تنظيم الاستيراد هو أن يتحول انتظام التمويل وتوفير النقد الأجنبي إلى انتظام في الإمدادات وتحسن في كلفة السلع، ثم ينعكس بصورة ملموسة على المستهلك، مع استمرار الجهات المختصة في مراقبة السوق ورصد أي اختلالات في المنافسة.
وشدد على أهمية استمرار التنسيق بين مصرف ليبيا المركزي ووزارة الاقتصاد والتجارة والجمارك والجهات الرقابية ومجلس المنافسة، بحيث تتكامل المعلومات المتعلقة بالتمويل والاستيراد والتخليص والتوزيع، ولا تبقى كل جهة أمام جزء منفصل من دورة السلعة.
وأوضح أن وجود قاعدة بيانات موحدة عن السلع المستوردة وتكاليفها وأسعار تداولها سيكون من الأدوات المهمة في المرحلة المقبلة، لأنها ستساعد على الانتقال من معالجة ارتفاع الأسعار بعد حدوثه إلى تحليل مسبباته ومراقبة حركة السوق بصورة أكثر استباقية.
وبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ سعر بيع الدولار الأمريكي 6.4124 دينار في 28 سبتمبر 2026، بينما سجل المصرف في الفترة نفسها استخدامات كبيرة للنقد الأجنبي عبر القطاع المصرفي، ما يجعل العلاقة بين إدارة النقد الأجنبي وكلفة السلع واحدة من الملفات الاقتصادية التي تستحق المتابعة مع بدء تطبيق إجراءات تنظيم التوريد.
ويرى الغويل أن معالجة ملف الأسعار تحتاج إلى النظر إلى سلسلة السلعة كاملة، من مصدر التمويل إلى المستورد ثم الموزع وتاجر الجملة والتجزئة، لأن أي خلل في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يحد من أثر الإجراءات الاقتصادية التي تستهدف خفض التكلفة.
وختم رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار بالتأكيد على أن بناء سوق أكثر تنافسية يتطلب وضوحًا في المعلومات، وتكافؤًا في فرص النشاط التجاري، ورقابة فعالة على الممارسات التي تضر بالمنافسة، إلى جانب متابعة انعكاس الإجراءات المالية والمصرفية على الأسعار الفعلية للسلع في السوق المحلية.(الأنباء الليبية) ك و
متابعة : أحلام الجبالي