لم يكن ياسين محمد يعرف أن لحظة خوف عابرة ستغيّر علاقته بالكلام لسنوات. نباح كلب مفاجئ ترك أثراً لم ينتهِ بانتهاء اللحظة، إذ بدأت الكلمات تتعثر وظهرت التأتأة، لتبدأ معها رحلة طويلة بين العلاج ومواجهة التنمر ومحاولة استعادة الثقة.
بنغازي 12 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية)- دخل مسرعاً إلى مكان عمل والدته، قبل أن يفاجئه نباح كلب، فيرتبك ويصاب بما تصفه والدته بـ”الفجعة”. كانت لحظات قصيرة، لكنها تركت أثراً امتد إلى طريقة حديثه، إذ بدأت الكلمات تتعثر وظهرت التأتأة تدريجياً.
منذ ذلك الوقت، بدأت رحلة طويلة مع العلاج، لكنها لم تكن رحلة مع اضطراب الكلام وحده، بل مع الخوف من الحديث ونظرات الآخرين وتعليقاتهم، ومع أم حاولت أن تساعد ابنها على ألا تتحول صعوبة الكلام إلى عائق أمام حياته.
حين تصبح الكلمة سببا للتنمر
لم يكن ياسين يعرف في بداياته كيف يتعامل مع تعليقات الأطفال على طريقة حديثه. تعرض للتنمر من بعض الأطفال، وأحياناً من أقارب، كانوا يقلدون طريقة كلامه أو يرددون عبارات جارحة مثل “عدي يلي تقطع”.
كانت تلك المواقف تعود معه إلى المنزل. وتقول والدته إنه كان يعود من المدرسة أو الشارع متضايقاً، ويخبرها بما تعرض له، وأحياناً كانت تلاحظ حزنه قبل النوم، فتبقى إلى جانبه حتى لا يحمل معه إلى اليوم التالي أثر ما حدث.
وكانت تحاول أن تشرح له أن التأتأة ليست عيباً، وأن ما يقوله الآخرون لا ينبغي أن يمنعه من الحديث أو من التفكير في مستقبله.
وتقول له: “يا ياسين، التأتأة مش عيب، لكن لازم تساعد نفسك، لأن مافيش حد يقدر يساعدك إلا أنت”.
أم في مواجهة الخوف
منذ بداية الحالة، حرصت والدته على اصطحابه إلى استشارية التخاطب واضطرابات النطق والكلام الدكتورة منال أعبيد، ومتابعة التدريبات معه في المنزل، حتى خلال الفترات التي كان فيها والده مسافراً للعمل.
ولم تقتصر مساندتها على العلاج، بل كانت تتدخل عندما يتعرض للتنمر، وتشرح لمن حوله حاجته إلى الصبر ومنحه الوقت الكافي للتعبير عن نفسه.
كما كانت تحاول أن تمنحه نماذج أخرى لأشخاص عانوا من التأتأة في طفولتهم وتمكنوا من تجاوز كثير من صعوباتها، لتساعده على النظر إلى مستقبله بعيداً عن طريقة حديثه.
المدرسة.. مساحة آمنة للكلام
وجد ياسين في المدرسة دعماً ساعده على التعامل مع التأتأة. وتقول والدته إنها كانت تحرص مع بداية كل عام دراسي على إطلاع المعلمات على حالته، وطلب منحِه الوقت الكافي أثناء القراءة والإجابة.
وتضيف أن معلماته كن ينتظرن حتى يكمل حديثه أو قراءته دون استعجال أو سخرية، وهو ما ساعده تدريجياً على الشعور بالراحة أثناء الحديث أمام الآخرين.
ومع الوقت، بدأ ياسين يتقبل نفسه بصورة أكبر. فإذا علق أحدهم على طريقة كلامه، لم يعد يتراجع عن الحديث، بل يواصل كلامه حتى النهاية، رافضاً أن يجعل تعثر كلمة سبباً في التوقف عن الكلام.
الرياضة والقرآن.. ثقة تتشكل
ساعدته الأنشطة التي مارسها خارج المدرسة على تعزيز ثقته بنفسه؛ فالتحق بنادٍ لكرة القدم، ومارس رياضة الكاراتيه وحصل على الحزام البرتقالي، كما واظب على الذهاب إلى المسجد وحفظ القرآن الكريم.
وترى والدته أن القراءة والتجويد وتنظيم النفس أثناء التلاوة ساعدته في التحكم بصورة أفضل في التنفس والكلام، إلى جانب ما منحته هذه الأنشطة من مساحة للتفاعل مع الآخرين وبناء ثقته بنفسه.
رحلة علاج تتقدم وتتراجع
توضح استشارية التخاطب واضطرابات النطق والكلام الدكتورة منال أعبيد أن حالة ياسين عند بداية المتابعة كانت تتمثل في التأتأة المصاحبة لبعض الإيماءات والسلوكيات، من بينها ارتعاش العين أثناء الحديث.
وتقول إن تقييم الحالة شمل الحديث المباشر مع ياسين والاستماع إلى والديه، إلى جانب التعرف على الجوانب النفسية والسلوكية المرتبطة بها، مشيرة إلى أن بداية المشكلة جاءت عقب الموقف الذي تعرض له الطفل مع الكلب.
وتوضح أن التأتأة اضطراب في طلاقة الكلام، وقد تبدأ في عمر مبكر أو تظهر في مراحل عمرية مختلفة، فيما تختلف أسبابها من حالة إلى أخرى، وقد تتداخل فيها عوامل نفسية ووراثية وتجارب أو مواقف مفاجئة.
وتؤكد أن التأتأة قابلة للتحسن، وأن الدعم الأسري والعلاج المتخصص يساعدان في تحسين طلاقة الكلام وتعزيز ثقة الطفل بنفسه.
بدأ ياسين البرنامج العلاجي بثلاث جلسات أسبوعياً، قبل أن تنخفض وتيرتها تدريجياً مع تحسن حالته إلى جلستين ثم جلسة أسبوعياً، وصولاً إلى جلسة كل أسبوعين.
وانقطع لاحقاً عن المتابعة لنحو ستة أشهر، وخلال تلك الفترة تعرض لمواقف أثرت في حالته النفسية، فعادت التأتأة، ولكن بصورة أخف من السابق. وعند استئناف المتابعة، احتاج إلى عدد محدود من الجلسات والتدريبات حتى تحسنت حالته مرة أخرى.
وبعد أشهر من المتابعة، أصبحت التأتأة بسيطة جداً، وقد تظهر أحياناً عند نطق الحرف الأول من الكلمة، دون أن تعيق حديثه كما كانت في بداية الحالة.
الدعم.. جزء من رحلة التعافي
وتؤكد الدكتورة منال أن تحسن حالة ياسين لم يكن نتيجة الجلسات العلاجية وحدها، بل ساهمت الأسرة بصورة أساسية في ذلك، من خلال الالتزام بالتدريبات المنزلية ومتابعة الإرشادات، إلى جانب تشجيعه على ممارسة الرياضة والأنشطة التي ساعدته على بناء ثقته بنفسه.
ورغم أن التأتأة قد تظهر أحياناً عندما يتعرض للضغط أو يمر بموقف مؤثر، فإنها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في بداية المتابعة، وأصبح ياسين أكثر قدرة على التعامل معها دون أن تمنعه من الحديث أو المشاركة في حياته اليومية.
ومع مرور الوقت، لم يعد التحدي بالنسبة إلى ياسين هو التخلص من كل تعثر في الكلام بقدر ما أصبح أن يتحدث دون خوف، وأن يمنح نفسه الوقت الكافي لإكمال ما يريد قوله. وفي كل مرة تتعثر فيها كلمة، يواصل حديثه ولا يسمح للحظة التردد بأن تتحول إلى سبب للصمت.
وهكذا، تحولت رحلة ياسين من محاولة التغلب على التأتأة فقط إلى رحلة أوسع نحو تقبل الذات وبناء الثقة، بدعم من أسرته ومدرسته ومحيطه العلاجي والاجتماعي. (الأنباء الليبية)
تقرير: زهرة البركي