بنغازي 22 أبريل 2026 (الأنباء الليبية) – يشهد الفضاء الثقافي المغاربي، يوم غد الخميس 23 أبريل، ميلاد مبادرة أدبية استثنائية مع صدور أنطولوجيا الشعر المغاربي المعاصر «عسل الأرض» بشكل متزامن داخل ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، في خطوة غير مسبوقة تظهر طموحا ثقافيا مشتركا يسعى إلى تجاوز العوائق الجغرافية والإدارية، وترسيخ حضور الكلمة كجسر جامع بين شعوب المنطقة، وتعزيز التواصل الإبداعي بين الأجيال الشعرية الجديدة، في سياق يعيد الاعتبار للثقافة بوصفها أداة وحدة وتكامل.
-إصدار مغاربي مشترك
يأتي صدور كتاب «عسل الأرض» في توقيت موحد داخل أربع دول مغاربية ليشكل حدثا ثقافيا لافتا، حيث يصل إلى القرّاء في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب في اليوم ذاته، في تجربة نادرة تبرز مستوى متقدما من التنسيق بين الفاعلين في مجال النشر.
وقد تولت تنفيذ هذا المشروع أربع دور نشر هي دار الجابر للطباعة والنشر والتوزيع ببنغازي، ودار الكتب الحديثة ” كتب بوب” بالجمهورية التونسية، ودار منشورات الضفاف
بالجمهورية الجزائرية، ودار مكتبة السلام الجديدة بالمملكة المغربية، حيث جرى اعتماد طباعة موحدة من حيث الشكل والمحتوى، بما يضمن وحدة الإصدار رغم تعدد أماكن إنتاجه. وأشرف على إعداد الأنطولوجيا أربعة أسماء بارزة في المشهد الشعري المغاربي، هم الشعراء الليبية خلود الفلاح من ليبيا، ومعز ماجد من تونس، والجزائري حكيم ميلود، والمغربي عبد الرحيم الخصار، في عمل جماعي يبين روح الشراكة الثقافية.
ويضم الكتاب 47 شاعرا وشاعرة من مختلف بلدان المغرب العربي، ضمن مختارات شعرية تمتد على 543 صفحة، مع تركيز ملحوظ على التجارب الشعرية الحديثة، في محاولة لرسم ملامح الراهن الشعري المغاربي وتقديمه في صورة جامعة تعكس تنوعه وتعدد روافده اللغوية والثقافية.
-خلفيات المشروع الثقافي
انبثقت فكرة «عسل الأرض» من واقع التحديات التي يواجهها الشعراء والناشرون في المنطقة المغاربية، خاصة ما يتعلق بصعوبة توزيع الكتب وانتقالها بين الدول، رغم الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية التي تجمع شعوبها. وفي هذا السياق، أوضح الشاعر التونسي معز ماجد، صاحب فكرة المشروع، أن المبادرة جاءت نتيجة معاناة حقيقية عاشها الشعراء مع محدودية انتشار الكتاب المغاربي، وضعف التعارف بين التجارب الشعرية في كل بلد، حيث أظهرت النقاشات بينهم أنهم يعرفون القليل عن إنتاج بعضهم البعض.
وأضاف أن الحل تمثل في اعتماد فكرة الطباعة المتزامنة داخل كل بلد، من خلال دور نشر محلية، بما يتيح تجاوز القيود البيروقراطية والجمركية التي تعيق حركة الكتاب. وأكد أن صدور الأنطولوجيا في توقيت واحد يحمل دلالة رمزية قوية، تبرز وتؤكد وحدة ثقافية تتجاوز الانقسامات السياسية، مشيرا إلى أن الشعراء نجحوا في تحقيق ما عجزت عنه السياسات، من خلال بناء مشروع قائم على الثقة والعمل المشترك.
واعتمد القائمون على العمل معايير دقيقة لاختيار النصوص، شملت إبراز تجارب حديثة منفتحة على الآخر، وتحمل أبعادا إنسانية ومتوسطية وعربية وأفريقية وأمازيغية، إلى جانب التركيز على جيل مواليد 1970 وما بعده، بوصفه جيلا بلغ نضجه الإبداعي، مع الحرص على تحقيق توازن بين أصوات النساء والرجال.
-أبعاد ثقافية إنسانية
يحمل كتاب «عسل الأرض» رؤى تتجاوز كونه إصدارا شعريا جامعا،إذ يمثل مشروعا ثقافيا يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي المشترك في الفضاء المغاربي من خلال الأدب.
وفي هذا الإطار، وصف الشاعر الجزائري حكيم ميلود الأنطولوجيا بأنها تجسيد لحلم مغاربي طال انتظاره، مؤكدا أن الشعر يمتلك قدرة فريدة على مدّ الجسور بين الشعوب، لأنه يتجاوز الحدود والخلافات، ويعبّر عن القيم الإنسانية المشتركة.
وأوضح أنه اختار قرابة عشرة شعراء وشاعرات من الجزائر يمثلون تجارب جديدة، مع الحرص على حضور نسائي متوازن يعكس تنوع المشهد الشعري الجزائري.
من جانبه، أشار الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار إلى أن المشروع راهن على اختيار نصوص معاصرة تعكس روح اللحظة الثقافية، مع مراعاة أن تكون الأسماء المشاركة ذات حضور نقدي وأكاديمي، ولها إصدارات وأعمال مترجمة، بما يعزز من قيمة العمل ويمنحه بعدا معرفيا.
-توثيق شعري مغاربي
تعود الشاعرة خلود الفلاح لتكشف أن البذرة الأولى لمشروع أنطولوجيا «عسل الأرض» انطلقت من نقاشات أدبية خلال ملتقى النص المعاصر بمدينة نابل التونسية في مايو 2025، حيث برزت الحاجة إلى إصدار يجمع شعراء المغرب العربي في عمل واحد يتيح التعارف والتفاعل بين النصوص ويعزز التقارب بين التجارب الشعرية في المنطقة.
وأكدت أن المشروع يركز على توثيق جيل شعري ليبي وُلد بعد عام 1970، باعتباره جيلا عاصر تحولات سياسية وثقافية واجتماعية عميقة في ليبيا، ما يجعله شاهدا على مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد الثقافي.
وأضافت أن عملية الاختيار اعتمدت على نصوص تتجاوز القوالب التقليدية، وتستحضر الهوية الليبية والمكان وتفاصيل الحياة اليومية، لكنها تُقدم برؤية معاصرة ولغة شعرية جديدة تعكس تطور الحس الإبداعي لدى هذا الجيل. كما أوضحت أن مشاركتها في إعداد الأنطولوجيا تمثل محطة مهمة في مسيرتها الأدبية، إذ لم يكن المشروع مجرد جمع نصوص، بل محاولة واعية لتوثيق الهوية والروح الليبية عبر الكلمة، وصناعة ذاكرة مكتوبة تضم أصواتا شعرية متنوعة تحت سقف واحد، في بحث مستمر عن المشترك الإنساني والجمالي داخل التجربة الأدبية الليبية، بما يعزز حضورها في الفضاء المغاربي.
-حضور ليبي فاعل
من جانبه، أكد مدير دار الجابر للطباعة والنشر والتوزيع علي جابر أن مشاركة الدار في هذا المشروع الثقافي تمثل امتدادا طبيعيا لدورها في دعم الحراك الأدبي، وتعكس قدرة الناشر الليبي على الانخراط في مبادرات مغاربية وعربية مشتركة تسهم في تطوير المشهد الثقافي.
وأوضح أن أهمية أنطولوجيا «عسل الأرض» بالنسبة للدار تتجلى في ثلاثة محاور رئيسية، يتمثل أولها في كسر العزلة الثقافية بين الساحات الأدبية المغاربية، من خلال إيصال الكتاب إلى القارئ في مختلف دول المنطقة، بما يعزز التواصل بين التجارب الإبداعية.
ويتمثل المحور الثاني في دعم الأجيال الشعرية الجديدة، حيث تضم الأنطولوجيا 47 صوتا شعريا أغلبهم من جيل ما بعد السبعينيات، ما يعكس تحولات جمالية جديدة تربط الهوية المحلية بآفاق إنسانية أوسع وأكثر انفتاحا.
أما المحور الثالث فيتمثل في ترسيخ الحضور الليبي داخل المشهد الأدبي العربي، عبر المشاركة في مشاريع ثقافية كبرى تؤكد دور ليبيا كشريك فاعل في إنتاج المعرفة الأدبية. وأضاف أن الدار تفخر بهذا «الاجتهاد الخاص» الذي تقدمه للقارئ الليبي والعربي، آملا أن يسهم في تحريك الركود الثقافي وفتح آفاق جديدة أمام دراسة الشعر المغاربي المعاصر وتعزيز حضوره في الساحة الإبداعية.
ويترقب أن يشكل «عسل الأرض» محطة بارزة في مسار التعاون الثقافي المغاربي، ليس بوصفه كتابا شعريا جامعا فحسب، بل دليلا حيا على ما تستطيع الثقافة إنجازه حين تتقدم على الخلافات، وتعيد وصل ما انقطع بين شعوب تجمعها اللغة والتاريخ وذاكرة المكان الواحد المعاصر الراهن. (الأنباء الليبية) س خ.
– متابعة: هدى الشيخي