بنغازي 24 مارس 2026 (الأنباء الليبية) – تشهد ليبيا تحولات اقتصادية متسارعة تضع إيرادات النفط في قلب معادلة الاستقرار المالي والنقدي، حيث تكشف دراسة حديثة أن هذه الإيرادات قد تتحول من أداة لدعم الدينار إلى مصدر رئيسي للضغوط التضخمية خلال عام 2026.
-مفارقة النفط والدينار
في تحليل اقتصادي معمق، قدم رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي حلمي القماطي، دراسة بعنوان “تأثير صدمات أسعار النفط على سعر الصرف والتضخم في ليبيا: نموذج تحليلي متقدم وتوقعات 2026”، مسلطا الضوء على ما وصفه بـ”المفارقة الاقتصادية” في الحالة الليبية.
فبدلا من أن تؤدي زيادة الإيرادات النفطية، نظريا، إلى تعزيز قيمة العملة المحلية ودعم الاستقرار النقدي، تكشف الحالة الليبية عن مسار مغاير تقوده اختلالات بنيوية عميقة. ويشير القماطي إلى أن غياب الانضباط المالي، وضعف الحوكمة، والتوسع في الإنفاق العام، عوامل تلتهم الفوائض النفطية وتحولها إلى إنفاق استهلاكي قصير الأجل، بدلا من استثمارها في مشاريع إنتاجية مستدامة.
هذا السلوك المالي يؤدي إلى زيادة السيولة في السوق دون مقابل إنتاجي حقيقي، ما يرفع مستويات الطلب ويغذي التضخم، في حين تتراجع الثقة في السياسة النقدية، ويصبح الدينار عرضة للتآكل التدريجي. كما أن الاعتماد شبه الكلي على النفط يجعل الاقتصاد هشاً أمام تقلبات الأسواق العالمية، وهو ما يضاعف من تأثير هذه المفارقة ويجعلها أكثر تعقيداً في السياق الليبي.
-النموذج والتوقعات الرقمية
اعتمدت الدراسة على نموذج اقتصادي كلي متقدم يربط بين الإيرادات النفطية والإنفاق العام والتضخم وسعر الصرف، في محاولة لتقديم قراءة كمية دقيقة لمسار الاقتصاد المحلي. ويوضح القماطي أن الإيرادات النفطية تُحتسب وفق معادلة تعتمد على سعر البرميل وحجم الإنتاج اليومي، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق الدولية.
في المقابل، يرتبط الإنفاق العام طردياً بهذه الإيرادات، حيث يؤدي ارتفاعها إلى زيادة الإنفاق الحكومي بشكل مباشر.
وتظهر المعادلات أن التضخم يتأثر بارتفاع الإنفاق والتغيرات في سعر الصرف، بينما يتحدد سعر الصرف نفسه من خلال الفجوة بين الإيرادات والإنفاق، إضافة إلى تأثير التضخم والعوامل المؤسسية.
وبناء على هذه العلاقات، قدمت الدراسة توقعات مقلقة لعام 2026، إذ رجحت وصول الإيرادات النفطية إلى نحو 44 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع الأسعار العالمية، إلا أن هذه الزيادة لن تنعكس إيجاباً على الاقتصاد الكلي.
بل على العكس، توقعت الدراسة ارتفاع معدل التضخم إلى ما بين 12 و20 في المائة، نتيجة تضخم الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب تراجع قيمة الدينار إلى نطاق يتراوح بين 7.5 و9 دنانير مقابل الدولار، ما يؤكد هشاشة التوازنات المالية والنقدية واستمرار الضغوط على العملة المحلية.
-إصلاحات وتوصيات عاجلة
خلصت الدراسة إلى أن الاقتصاد الليبي يقدم نموذجا واضحا لما يُعرف بـ”لعنة الموارد”، حيث تتحول الوفرة النفطية إلى عامل إضعاف للمؤسسات الاقتصادية بدلا من أن تكون محركاً للتنمية.
وأكد القماطي أن استقرار سعر الصرف لا يعتمد فقط على حجم الإيرادات النفطية، بل يتأثر بشكل كبير بكفاءة الإدارة الاقتصادية، ومستوى الشفافية، وقوة المؤسسات.
وفي هذا الإطار، شدد على ضرورة تبني إصلاحات هيكلية عاجلة تستهدف ضبط الإنفاق العام والحد من التوسع المالي غير المدروس، بما يساهم في تقليص الفجوة بين الإيرادات والمصروفات.
كما دعا إلى تعزيز دور السياسة النقدية في امتصاص السيولة الزائدة وتحقيق استقرار الأسعار، إلى جانب ضرورة توجيه الفوائض النفطية نحو الاستثمار في قطاعات إنتاجية مثل الصناعة والزراعة والبنية التحتية، بدلا من الاقتصار على الإنفاق الاستهلاكي.
وأشار إلى أن بناء اقتصاد متنوع ومستدام يتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة تعزز الثقة في الاقتصاد الوطني، وتحد من تأثير الصدمات الخارجية، بما يضمن استقرار الدينار وتحقيق نمو اقتصادي متوازن خلال السنوات المقبلة. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: بشرى العقيلي