بنغازي 29 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – نستيقظ كل صباح على إيقاع الحياة المعتاد، مدارس تفتح أبوابها، وشوارع تمتلئ بالحركة، لكن خلف شاشات الهواتف في غرف مغلقة يخوض بعض الأطفال معركة صامتة مع عالم رقمي لا يرى الخطر كما هو، شاشة هاتف، مقطع قصير، وتحد يبدو مسليا قبل أن يتحول إلى تهديد حقيقي للحياة.
تحدي “الوشاح الأزرق”، أو ما يعرف عالميا بتحدي الإغماء، لم يعد حكاية بعيدة تُتداول في الأخبار الدولية، بل ظاهرة تسللت بهدوء إلى البيوت الليبية، مستغلة فضول الأطفال وحاجتهم إلى القبول داخل فضاء رقمي بلا حدود.
-لعبة بلا فرصة ثانية
يقوم التحدي على حبس النفس باستخدام وشاح أو حزام حتى فقدان الوعي، مع تصوير اللحظة ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تيك توك.
يظن بعض المشاركين أن الأمر مجرد ثوان عابرة، لكن الأطباء يحذرون من أن نقص الأكسجين حتى لفترة قصيرة قد يؤدي إلى تلف دائم في الدماغ أو توقف مفاجئ للقلب. تحذر أخصائية الطب النفسي للأطفال هدى القطراني قائلة: إن الأطفال في الفئة العمرية من 10 إلى 16 عاما هم الأكثر هشاشة نفسيا، وأن التحديات الرقمية تستغل حاجتهم للقبول الاجتماعي وتدفعهم لتجربة سلوكيات خطرة دون إدراك العواقب.
-حكايات أمهات تأن بوجع
لا تنسى أم محمد من بنغازي تلك اللحظة: دخلت الغرفة فوجدت ابنها ممددا على الأرض، وجهه شاحب والهاتف بجانبه، لم تفهم ما الذي حدث إلا بعد أن أخبرها باكيًا أنه كان يقلد تحديا شاهده على تيك توك.
أما ليلى، وهي أم لثلاثة أطفال من طرابلس، فتقول إنها كانت تظن أن الهاتف مجرد وسيلة تسلية، لكنها أدركت أن الصمت الطويل في غرفة مغلقة قد يكون أخطر من الضجيج.
هذه الشهادات، وإن لم تُسجل رسميا، وتظهر واقعا مقلقا تعيشه أسر ليبية فضّلت الصمت خوفا من الوصمة الاجتماعية أو جهلا بحجم الخطر.
-العالم يدفع الثمن
شهد العالم حوادث وفاة مرتبطة بالتحدي، منها وفاة الطفلة الإيطالية أنطونيا عام 2020 بعد محاولتها تنفيذ التحدي داخل غرفتها، وحالتي وفاة لطفلين في مصر مطلع عام 2021، فيما نجا أطفال آخرون في الولايات المتحدة بعد تدخل أسرهم في اللحظات الأخيرة.
ومع تزايد الحوادث، أصدرت شركة تيك توك بيانات تؤكد التزامها بحذف المحتوى الذي يروج للتحديات الخطيرة، ودعت المستخدمين إلى الإبلاغ الفوري عنها.
كما عبّرت منصات أخرى، مثل ToTok، عن قلقها من هذه “الألعاب المميتة”، وأكدت اتخاذ إجراءات صارمة للحد من انتشارها، لكن المختصين يرون أن هذه الإجراءات غير كافية ما لم تُدعّم برقابة أسرية ووعي مجتمعي.
-تحذيرات أممية
حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف من مخاطر التحديات الرقمية، مؤكدة أن المراهقين بين 10 و19 عاما هم الأكثر عرضة لها بسبب سعيهم للاعتراف الاجتماعي داخل الفضاء الإلكتروني.
ودعت المنظمة إلى تعزيز الحوار داخل الأسرة، ومراقبة المحتوى دون قمع، وتعليم الأطفال كيفية التبليغ عن المواد الخطرة.
– الشهرة تهدد الأطفال
يوضح أخصائي علم النفس الاجتماعي سالم بوصبع؛ أن المشكلة لا تكمن فقط في التحدي نفسه، بل في البيئة الرقمية التي تكافئ السلوك الخطِر بالمشاهدات والإعجابات.
فالطفل هنا لا يرى الموت، بل يرى الشهرة، ويضيف أن غياب التوعية الرقمية في المدارس يترك فراغا يملأه المحتوى العشوائي والخطر، مما يزيد احتمال انخراط الأطفال في سلوكيات تهدد حياتهم.
-ليبيا أرقام غائبة وخطر محدق
في ليبيا لا تتوفر إحصاءات رسمية دقيقة حول ضحايا التحديات الرقمية، غير أن مصادر طبية أكدت تسجيل حالات إغماء وإصابات طفيفة جرى التعامل معها داخل المنازل أو المراكز الصحية دون توثيق رسمي.
ويشير المختصون إلى أن غياب الأرقام لا يعني غياب الخطر، بل قد يخفي حجما أكبر من الحالات غير المعلنة. كما يؤكد الخبراء أن المشكلة الحقيقية تكمن في البيئة الرقمية التي تكافئ السلوك الخطِر بالمشاهدات والإعجابات، حيث يرى الطفل الشهرة وليس الخطر، ما يجعل الرقابة الأسرية والتوعية المبكرة ضرورة قصوى.
-المسؤولية تتجاوز الشاشة
قصة “الوشاح الأزرق” ليست مجرد ترند عابر، بل جرس إنذار حول الوجه المظلم للعالم الرقمي.
وبينما تتحمل المنصات مسؤولية أخلاقية وقانونية، تبقى الأسرة خط الدفاع الأول، كذلك الرقابة الواعية، التوعية المبكرة، والحوار المفتوح مع الأطفال قد تكون الفارق بين فيديو عابر وفاجعة لا تُمحى.
ويشدد الخبراء على ضرورة تضافر جهود الأسرة والمدارس والمجتمع المدني لضمان نشر وعي رقمي صحي، وتعليم الأطفال كيفية التعرف على المحتوى الخطير، والامتناع عن تقليده، مع التركيز على حماية حياتهم وسلامتهم النفسية والجسدية. (الأنباء الليبية) س خ.
-إعداد: هدى الشيخي