بنغازي 27 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – تثير الحوادث المتكررة المتعلقة بفقدان أو تعرّض أطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد لمخاطر جسيمة، آخرها حادثة الطفلة سيدرا في مدينة البريقة، تساؤلات عميقة تتجاوز الحادث الفردي، لتسلط الضوء على التداخل المعقد بين الأسرة والمجتمع والمؤسسات الرسمية، ودور كل طرف في حماية هذه الفئة الهشّة من التهميش والخطر.
الأسرة: خط الدفاع الأول
ترى المتخصصة في البحوث والدراسات الاجتماعية، إلهام دبوب، أن التحديات التي يواجهها أطفال التوحد لا ترتبط بالاضطراب ذاته فقط، بل تتشكل نتيجة “تفاعل معقد بين الأسرة والمجتمع والمنظومة الرسمية”، مؤكدة أن أي خلل في أحد هذه الأضلاع ينعكس مباشرة على سلامة الطفل وجودة حياته.
وتوضح دبوب أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول من خلال الاكتشاف المبكر، والمتابعة اليومية، وتوفير بيئة تربوية آمنة وداعمة.
وفي الوقت نفسه، تحذر من تحميل الأسرة مسؤولية سلبية عند وقوع الحوادث، معتبرة ذلك “مقاربة قاصرة وغير عادلة”، خاصة في ظل ضعف الوعي أو غياب شبكات الدعم والخدمات المساندة، ما يضع الأسرة أمام تحديات كبيرة .
المجتمع: بين الاحتواء والتهميش
تشير دبوب إلى أن المجتمع يلعب دورًا مباشرًا في حياة الطفل، إمّا بتخفيف معاناته أو مضاعفتها. فالوصمة الاجتماعية والتنمر والإقصاء لا تترك آثارًا عابرة، بل تُنتج أنماطًا من السلوك والخوف والعزلة، مما يزيد من تعرض الطفل للخطر.
في المقابل، يشكل الوعي المجتمعي، والتعليم الدامج، والتعامل القائم على الفهم وليس الشفقة أو الاتهام، عامل حماية حقيقي، يمنح الطفل فرصًا أفضل للتكيف والاندماج، ويجنب الأسرة الوقوع في العزلة القسرية.
المؤسسات الرسمية: المسؤولية تبدأ قبل الحادث
على مستوى الجهات الرسمية، تؤكد دبوب أن المسؤولية تبدأ قبل وقوع الفاجعة، وتشمل توفير خدمات صحية وتشخيصية متخصصة، وتأهيل الكوادر التعليمية والطبية، وسن تشريعات واضحة تضمن حقوق أطفال التوحد وأسرهم.
وتضيف أن غياب التنسيق بين القطاعات وضعف البنية الداعمة يحوّل اضطرابًا نمائيًا قابلاً للإدارة إلى خطر مركّب، خصوصًا في البيئات المفتوحة أو الساحلية أو المزدحمة، حيث يحتاج الطفل إلى إجراءات وقائية مضاعفة.
من الحادثة إلى الظاهرة
ولا تنفصل هذه القراءة التحليلية عن السياق الذي جاءت فيه حادثة الطفلة سيدرا، التي أثارت موجة تعاطف واسعة، إلى جانب خطاب لوم غير مستند إلى فهم علمي لطبيعة اضطراب التوحد.
ويحذر مختصون في الصحة النفسية من تفسير بعض السلوكيات، مثل الانجذاب للمياه أو الميل للتجوال، على أنها إهمال، إذ تعد جزءًا من خصائص الاضطراب ذاته.
و تخلص دبوب إلى أن حماية أطفال التوحد ودمجهم في المجتمع مسؤولية جماعية متكاملة، تشمل الأسرة والمجتمع والمؤسسات الرسمية. وأي تقصير في أحد هذه المكونات ينعكس مباشرة على الطفل.
وتضيف: “الانتقال من منطق اللوم إلى منطق الفهم، ومن رد الفعل إلى السياسات الوقائية، هو الخطوة الأولى نحو حماية هذه الفئة وضمان حقها في حياة آمنة وكريمة”. فالطفل المصاب بالتوحد لا يحتاج إلى شفقة، بل إلى منظومة واعية تحيطه بالفهم والدعم، وتوفر له أبسط الحقوق: الأمان. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: أحلام الجبالي