بنغازي 25 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – يُعد اضطراب طيف التوحد من أبرز الاضطرابات النمائية العصبية التي استقطبت اهتمام الباحثين والمؤسسات الصحية خلال العقود الأخيرة، لما له من انعكاسات مباشرة على الفرد والأسرة والمجتمع.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التوحد بات من القضايا الصحية ذات الأولوية، في ظل تزايد معدلات التشخيص عالميا، الأمر الذي جعله ملفا اجتماعيا وتربويا يتجاوز الإطار الطبي التقليدي، ويتطلب فهما علميا وتنسيقا مؤسسيا واسعا.
ويعرف طيف التوحد، بحسب الجمعية الأمريكية للطب النفسي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، بأنه اضطراب نمائي عصبي يؤثر في مهارات التواصل والسلوك والتفاعل الاجتماعي، مع تفاوت كبير في شدته من شخص لآخر. ويعود أول توصيف علمي للحالة إلى عام 1943، حين قدّم الطبيب الأمريكي ليو كانر ملاحظاته السريرية، قبل أن يتطور الفهم العلمي لاحقًا وينظر إلى التوحد كطيف واسع من الاختلافات العصبية.
-الأسباب المحتملة
فيما يتعلق بالأسباب، توضح دراسات المعهد الوطني للصحة أن التوحد ناتج عن تداخل معقّد بين عوامل وراثية وبيئية.
إذ تلعب الجينات دورا محوريا، خاصة لدى العائلات التي لديها تاريخ مرضي مشابه، إلى جانب عوامل بيئية تشمل التعرض لبعض المواد الكيميائية خلال الحمل، أو حدوث مضاعفات صحية وولادة مبكرة.
كما تشير الأبحاث العصبية إلى وجود اختلافات في بنية الدماغ ووظائفه، مع تأكيد الخبراء، وفق منظمة الصحة العالمية، أن التوحد لا يرتبط بأساليب التربية أو الإهمال الأسري.
وتتمثل الخصائص السريرية للتوحد، كما توضح مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، في صعوبات التفاعل الاجتماعي، مثل ضعف التواصل البصري أو صعوبة فهم تعابير ومشاعر الآخرين.
كما تظهر سلوكيات متكررة ونمطية، كالتعلق بالروتين أو تكرار حركات معينة، إلى جانب تحديات في التواصل اللفظي وغير اللفظي، مع ملاحظة أن بعض المصابين يمتلكون قدرات أو مواهب خاصة في مجالات محددة.
أما التشخيص، فيُجرى عادة في سن مبكرة، غالبا بين العامين والثلاثة أعوام، اعتمادا على الملاحظة السريرية والتقييم السلوكي، وفق ما توضحه الجمعية العالمية لطب الأطفال والتنمية العصبية.
وتستخدم أدوات معيارية متخصصة، مثل مقاييس المراقبة التشخيصية للتوحد، مع الحرص على التمييز بينه وبين اضطرابات نمائية أخرى قد تتقاطع معه في بعض الأعراض.
وفي جانب التدخلات، تشير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن العلاج لا يقتصر على نهج واحد، بل يشمل تدخلات سلوكية مثل تحليل السلوك التطبيقي، إلى جانب العلاج الوظيفي وعلاج النطق، بهدف تعزيز مهارات التواصل والاستقلالية.
ويؤكد المختصون أن التدخل المبكر يسهم بشكل كبير في تحسين النتائج على المدى الطويل، خاصة عند دمجه بدعم تعليمي وبرامج تربوية متكيفة.
-الذكور أكثر إصابة
تشير الأبحاث العلمية إلى أن الذكور يُشخصون باضطراب طيف التوحد بنسبة أعلى بكثير من الإناث، وهو ما يظهر بوضوح في الدراسات الوبائية والتحليلات المتعددة.
ففي كثير من الدراسات، تشير النسبة العامة إلى أن الذكور يصابون بالتوحد بمعدل يقارب أربعة أضعاف الإناث، أي لكل فتاة مصابة هناك نحو أربعة أولاد مصابين تقريبًا، وفقًا لتحليل إحصائي شمولي للدراسات العالمية حول انتشار التوحد، كما أوردت مجلة (الطب النفسي المتقدم) في 2022.
وتوضح هذه الفروق أن التشخيص بين الذكور أعلى من الإناث بنحو ( 3–4 ) مرات، وهو ما تشير إليه مراجعات علمية حديثة حول الفوارق بين الجنسين في اضطراب طيف التوحد، حسب تقرير الجمعية الأمريكية لعلوم تحليل السلوك.
ويربط الخبراء هذا الفارق في النسب جزئيًا إلى أن التوحد غالبا ما يُظهر نفسه بأعراض أكثر وضوحا لدى الذكور مقارنة بالإناث، ما يجعل عملية التشخيص أسهل لدى الأولاد.
أما الفتيات، في كثير من الحالات، تُظهِر سمات سلوكية أقل وضوحا وقد تفسر أحيانًا كسلوك طبيعي أو أعراض اضطرابات أخرى مثل اضطراب القلق الاجتماعي أو اضطرابات الأكل قبل أن يتم تشخيصها بالتوحد، وفق تقرير ” سي إن إن” العربي عن التوحد عند الفتيات.
كما تشير الدراسات أيضا إلى أن أسباب الفروق بين الجنسين قد تشمل عوامل بيولوجية، مثل اختلافات في تطور الدماغ أو التأثيرات الجينية، التي تمنح الإناث ما يُعرف بـ«الحد الوقائي الأنثوي»؛ أي أن ظهور التوحد سريريا لدى الإناث يتطلب طفرات أو تغييرات جينية أكبر مقارنة بالذكور، حسب دراسة نشرت في المركز الوطني للمعلومات البيولوجية في 2020.
ومن المهم التنويه إلى أن هذه النسب تمثل الواقع التشخيصي الحالي، لكنها لا تعني بالضرورة أن الذكور هم وحدهم المصابون بالتوحد فعليا.
فهناك أدلة على أن العديد من الفتيات البالغات والذكيات يعشن مع التوحد دون تشخيص مبكر بسبب اختلاف العرض السريري والمعايير التشخيصية التاريخية، بحسب دراسة منشورة في المعهد الوطني للصحة.
-ترامب يثير الجدل
أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول اضطراب طيف التوحد جدلا واسعا في الأوساط الطبية والإعلامية، بعدما خرج بعدة مواقف علنية ربط فيها التوحد بعوامل صحية مثيرة للخلاف، متجاوزا في بعض الأحيان ما استقر عليه الإجماع العلمي.
وجاءت هذه التصريحات في سياق خطاب سياسي وإعلامي اتسم بإثارة القضايا الصحية الحساسة، ما دفع خبراء إلى التحذير من تأثيرها على الرأي العام.
وخلال أكثر من مناسبة، تحدث ترامب عن ارتفاع معدلات تشخيص التوحد في الولايات المتحدة، واصفا الأمر بأنه «أزمة صحية كبيرة» تحتاج إلى تفسير واضح.
وفي هذا الإطار، ألمح إلى وجود صلة محتملة بين بعض الأدوية المستخدمة أثناء الحمل، مثل مسكنات الألم الشائعة، وبين زيادة خطر الإصابة بالتوحد، داعيا إلى توخي الحذر في استخدامها.
هذه التصريحات قوبلت بانتقادات واسعة من جهات طبية، أكدت أن الأبحاث المتاحة لا تقدم أدلة قاطعة تدعم هذا الربط.
ولم تقتصر مواقف ترامب على الأدوية، إذ أعاد في سياقات مختلفة طرح تساؤلات حول سلامة بعض لقاحات الأطفال، ملمحا إلى احتمال وجود علاقة بينها وبين التوحد، وهي فرضية سبق أن نُفيت علميا مرارا.
وقد حذرت المؤسسات الصحية من أن مثل هذه التصريحات قد تسهم في تعزيز الشكوك حول برامج التطعيم، رغم ما تؤكده الدراسات من عدم وجود علاقة سببية بين اللقاحات واضطراب طيف التوحد.
وفي مقابل هذه الطروحات المثيرة للجدل، تحدث ترامب أيضا عن «تقدم مرتقب» في أبحاث التوحد، معربا عن اعتقاده بأن العلماء باتوا قريبين من فهم أسبابه بشكل أفضل.
كما أبدى دعمه لتسريع الأبحاث المتعلقة ببعض العلاجات التي قد تسهم في تحسين مهارات التواصل لدى بعض المصابين، معتبرا أن ذلك يمنح الأمل للعائلات.
وردًا على هذه التصريحات، شدد خبراء الصحة العامة والهيئات الطبية على ضرورة الفصل بين الخطاب السياسي والحقائق العلمية، مؤكدين أن التوحد اضطراب نمائي معقد، تتداخل في نشأته عوامل وراثية وعصبية وبيئية، ولا يمكن اختزاله في سبب واحد.
كما دعوا إلى الاعتماد على الأبحاث الموثوقة في صياغة السياسات الصحية، تفاديا لنشر معلومات قد تكون مضللة أو غير دقيقة.
-التقييم والتشخيص
أوضحت الحقوقية وأم لشاب توحدي أسماء الحشاني، ومهتمة بالجانب التوعوي لتلك الفئة، أن تقييم الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد يعد عملية شاملة ودقيقة، تتطلب متابعة دقيقة من قبل الأطباء والأخصائيين النفسيين والتربويين، إذ لا يمكن الاكتفاء بالملاحظة الأولية وحدها.
وتبدأ عملية التقييم عادةً بملاحظة العلامات المبكرة، مثل تأخر الكلام، ضعف التواصل البصري، قلة التفاعل الاجتماعي، تفضيل اللعب بمفرده، والحركات النمطية المتكررة، بالإضافة إلى الالتزام الصارم بالروتين اليومي.
كما تشمل المؤشرات المهمة الاستجابات الحسية غير الطبيعية، مثل الحساسية المفرطة للأصوات أو الانزعاج من اللمس، ما يجعل التقييم أمرا ضروريا لتحديد طبيعة الاضطراب ومدى شدته ووضع خطة دعم مناسبة.
وتشير الحشاني إلى أن التشخيص الرسمي يعتمد على معايير محددة، أبرزها دليل (DSM-5)، إلى جانب أدوات معيارية مثل مقياس كارز (CARS)، التي تساعد على تحديد شدة الاضطراب وتوجيه برامج التأهيل المناسبة.
وأكدت أن التقييم يشمل فحوصا سلوكية ونمائية متعمقة، مع مراعاة أن بعض الأطفال قد يعانون من اضطرابات نمائية أخرى أو إعاقات مصاحبة، مثل الإعاقة البصرية أو الحركية أو السمعية، الأمر الذي يزيد من تعقيد التشخيص ويستدعي برامج تأهيلية أكثر تخصصًا ومرونة.
-تأهيل منظم ومدروس
تشير الحشاني إلى أن عملية التأهيل يجب أن تكون منظمة بشكل مدروس، بحيث تشمل برامج أساسية وسلوكية وفرعية، تحت إشراف مختصين ذوي خبرة طويلة، مؤكدة أن دمج الطفل تدريجيًا داخل الصفوف والمؤسسات التعليمية، مع وجود المدرب لفترة محددة لمراقبته وتوجيهه، يضمن تأقلمه مع البيئة الجديدة ويقلل من تأثير التغيير على سلوكه وأدائه الأكاديمي.
وأضافت الحشاني أن دعم الأسرة وصبرها المستمر يمثلان عنصرا أساسيا في نجاح برامج التأهيل، إلى جانب توفير بيئة تعليمية مؤهلة، تشمل أدوات تعليمية متخصصة، وغرف مصادر، وبرامج مساندة لتسهيل الدمج التعليمي والاجتماعي للطفل، مؤكدة أن هذا النهج الشامل يضمن تطوير مهارات الأطفال المصابين بالتوحد على المستويين الأكاديمي والاجتماعي، ويتيح لهم فرصة حقيقية للمشاركة الفاعلة في المجتمع، بعيدًا عن الممارسات العشوائية أو الإهمال، مع التأكيد على أن نجاح العملية يعتمد على تعاون الأسرة والمؤسسات التعليمية والمختصين لضمان تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
يشير الواقع في ليبيا إلى أن تقييم وتشخيص الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد يفتقر إلى البروتوكولات الرسمية، كما أن مستوى الوعي لدى الأهالي والمجتمع بشكل عام ما زال ضعيفا، ولا توجد خدمات إرشاد نفسي منظمة لدعم الأسر منذ ظهور العلامات الأولى للاضطراب.
وتوضح الحشاني؛ أن الأطفال المصابين بالتوحد، خاصة غير الناطقين والذين تتراوح حالاتهم بين المتوسطة والشديدة، يواجهون تحديات مستمرة مدى الحياة، حيث يعتمدون على أسرهم بالكامل ولا يمكنهم الاعتماد على أنفسهم في المستقبل.
كما يمكن أن تحدث انتكاسات سلوكية في مراحل متقدمة من العمر، تشمل فقدان مهارات أساسية مثل الاستقلال الشخصي أو التحكم بالسلوك، إضافة إلى أحياناً ظهور تصرفات عنيفة أو الحاجة إلى أدوية لمواجهة بعض الأعراض المرتبطة بالاضطراب.
-غياب منظومة حصر المصابين
أضافت؛ أن غياب منظومة رسمية متكاملة لتحديد أعداد الأطفال المصابين بالتوحد في ليبيا يزيد من صعوبة التخطيط للخدمات التأهيلية.
ورغم بعض القرارات الصادرة بين 2022 و2024 بشأن حصر حالات التوحد، إلا أن ضعف استجابة الأهالي ونقص المتابعة الرسمية يجعل هذه القرارات محدودة التأثير، ما يؤدي إلى فشل أي جهود رسمية لتقديم الدعم أو التخطيط للمستقبل التعليمي والاجتماعي للأطفال.
ونوهت إلى أن نقص مراكز التأهيل المهيأة والمختصة يمثل أزمة حقيقية، إذ أن الخدمات المتاحة قليلة، ولا تغطي احتياجات جميع الفئات العمرية، ولا تواكب التطور الطبيعي للأطفال مع تقدمهم في السن، ما يؤدي إلى بروز مشاكل سلوكية وجنسية وصحية تتفاقم في مرحلة الشباب.
وأكدت أن دعم الأسر مسؤولية كبيرة، إذ تقع على الأهل مهمة حماية أطفالهم نفسيا واجتماعيا من المجتمع ومن المواقف الصادمة، مع محاولة توفير بيئة آمنة للتأهيل الذهني والاجتماعي، مضيفة أن غياب القوانين واللوائح المنظمة لحقوق المصابين بالتوحد يجعل الأطفال وكأنهم غير محميين قانونيا أو شرعيا، وهو ما يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر والمختصين على حد سواء.
-فراغ تشريعي وتنظيمي
قالت الحشاني: يشير الواقع في ليبيا إلى وجود فراغ تشريعي وتنظيمي كبير فيما يخص الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، إذ لا توجد بروتوكولات واضحة لتشخيصهم أو تقديم الإرشاد النفسي المستمر للأسر منذ بداية ظهور العلامات المبكرة للاضطراب. وتوضح أن الأطفال الذين يعانون من حالات متوسطة أو شديدة، وخاصة غير الناطقين، يعتمدون كليًا على أسرهم مدى الحياة، وغالبًا لا يمكنهم الاعتماد على أنفسهم في المستقبل.
وقد يعانون أحيانا من انتكاسات سلوكية في مراحل عمرية متقدمة، تشمل فقدان مهارات أساسية أو تصرفات عنيفة، ما يجعل الحاجة إلى رعاية مستمرة وأدوية ضرورية في بعض الحالات أمرًا لا يمكن تجاهله.
وأوضحت الحشاني، من المتخصصين في مجال التوحد، أن التحديات تتضاعف عندما يصل الطفل إلى مرحلة الشباب، إذ لا توجد مراكز عامة أو خاصة تقبل هذه الفئة العمرية بشكل كاف.
بعض المراكز العامة تستقبل الحالات الخفيفة لفئات عمرية محددة فقط، وبعدها يجد الأهل أنفسهم بلا بدائل، مضطرين للاعتماد على أدوية نفسية قوية للتعامل مع الانتكاسات السلوكية، مثل أدوية الفصام أو الذهان، وهو ما قد يؤدي إلى آثار جانبية شديدة تشمل أمراضًا أخرى مثل اضطرابات السكر أو أورام، مشيرة إلى أن غياب التحديث العلمي والتدريب المستمر للمختصين يزيد من المخاطر، إذ غالبا ما يفتقر الأطباء إلى الخبرة الكافية للتعامل مع حالات الشباب المصابين بالتوحد.
وبالتالي، تضطر الأسر، وبالأخص الأمهات، إلى تطوير حصانة نفسية لحماية أطفالهم من المجتمع ومن الانتكاسات المحتملة، بينما يعانين هم أنفسهم من ضغوط نفسية وزوجية قد تصل إلى الاكتئاب أو الحاجة إلى أدوية علاجية.
وشددت الحشاني أن توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأسر يعد جانبًا بالغ الأهمية، إذ يساهم في حماية الطفل والأسرة معًا، ويعزز إمكانية تطوير مهارات الشباب المصابين بالتوحد وتمكينهم من الاندماج بشكل أفضل في المجتمع والمؤسسات التعليمية، مع الحاجة الملحة إلى وجود برامج تأهيلية متخصصة ومراكز مجهزة للتعامل مع الفئة العمرية الكبيرة لضمان استمرارية الرعاية والتدريب وفق منهجيات علمية مناسبة.
– أجهزة التتبع
أما بالنسبة للجانب التقني، ترى الحشاني إلى أن موضوع أجهزة التتبع للأطفال المصابين بالتوحد في ليبيا لا يزال يواجه تحديات كبيرة بسبب غياب منظومة متكاملة.
وتوضح أن التجارب المقارنة في دول مثل ألمانيا تُظهر نجاح منظومات مزودة بتقنيات متقدمة مثل (GPS)، وبيانات مرتبطة بالأمن الداخلي، بحيث يمكن تحديد مكان الطفل فور الخروج عن نطاق الأمان، مع فرض عقوبات على الإهمال.
وتضيف؛ أن هذه الأنظمة تعتمد على شبكة إنترنت قوية وقدرات تقنية متقدمة، وهو ما يفتقده الواقع الليبي حاليا، ما يجعل تطبيق أي برنامج تتبع فعال شبه مستحيل على الأرض.
وتشير الحشاني إلى أن التجربة المحلية تعتمد في الغالب على أجهزة وبرمجيات محدودة، مثل الملصقات المعلقة على الأجهزة، لكنها لا توفر تغطية كاملة ولا تتحمل عمليات التعقب الفعلية، إضافة إلى ضعف الشبكات في المؤسسات الحكومية والمصرفية.
كما لفتت إلى أن المحاولات السابقة لاستخدام أجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة لم تنجح بسبب عدم توافق الأجهزة مع أنظمة الدولة، مما يجعل النظام عرضة للفشل ويفقد الأسرة الطمأنينة المطلوبة.
وترى الحشاني أن هذه الثغرة التقنية تمثل مشكلة حقيقية، إذ إن غياب منظومة رسمية متكاملة للتتبع يجعل الأطفال المصابين بالتوحد معرضين للمخاطر، ويزيد العبء على الأسر التي تحاول حمايتهم، مؤكدة أن الحل يتطلب تجهيز الدولة ببنية تحتية قوية ودعم تقني شامل قبل التفكير في أي مشروع تتبع فعال يمكن تطبيقه على أرض الواقع.
-مراكز التأهيل
توضح الحشاني أن تأسيس مراكز تأهيل الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد يتطلب توافر معايير فنية متقدمة، ولا يمكن الاكتفاء بفتح أي مبنى عادي وتحويله إلى مركز.
وتشير إلى أن هذه المراكز يجب أن تُنشأ وفق شروط عالمية تشمل غرفًا عازلة للصوت والضوء، وجدران وزجاج يعكس الضوء بطريقة تقلل الحساسية، وأرضيات مبطنة بالفوم لتقليل مخاطر إصابة الطفل نفسه، بالإضافة إلى تصميم الغرف والألوان المستخدمة بعناية لتجنب إثارة أي حساسية لدى الأطفال.
كما تحذر الحشاني من ضرورة أن يمتنع الأخصائيون عن استخدام العطور أو مستحضرات تجميل قوية داخل المراكز، لما قد يسببه ذلك من انزعاج للأطفال وحدوث ردود أفعال سلوكية مثل الضرب أو الهروب.
وتشير الحشاني إلى أن ظاهرة هروب الأطفال من المراكز غالبا تعكس شعورهم بالضيق أو الانزعاج، وليست بالضرورة محاولة للهروب من المكان نفسه، مشددة على أهمية التأهيل النفسي والتهيئة البيئية لتقليل هذه التصرفات.
كما أكدت أن وجود خطة إدارية واضحة ودقيقة، تدعمها إدارة مختصة وعناصر فني مؤهل، أمر أساسي لضمان نجاح المراكز.
وتشير إلى تجارب سابقة في ليبيا، حيث تأسيس فرع لمركز طرابلس استغرق أكثر من 15 عاما، بتكلفة تجاوزت 150 مليون دينار، وما زال يعاني من تأخر في التشغيل الفعلي وافتقار إلى العناصر المؤهلة.
وترى الحشاني أن الاعتماد على الدورات القصيرة لتدريب الأخصائيين غير كافٍ، ويجب التركيز على الحلول الجذرية التي تشمل تأسيس مراكز مجهزة بالكامل، مع عنصر فني متخصص وإدارة أسس تأهيلية متكاملة، لضمان تقديم خدمات تعليمية وتأهيلية حقيقية للأطفال المصابين بالتوحد، مع احترام خصوصية الأسرة ودعمها معنويا وماديا.
وأكدت على ضرورة تطوير مثل هذه المراكز، بحيث لا يقتصر على البناء أو المعدات، بل يشمل أيضا التدريب المكثف للأخصائيين وفق أساليب عالمية مثبتة، ما يجعل من المركز بيئة آمنة وفعالة لتنمية مهارات الأطفال المصابين بالتوحد، وتحقيق الأثر المطلوب في حياتهم اليومية.
-التحديات الخارجية والتمويل
أشارت الحشاني إلى أن إدارة ملف التوحد في الخارج، سواء في مصر أو الأردن، استنزفت موارد مالية كبيرة من الدولة الليبية دون تحقيق نتائج ملموسة للأطفال المستفيدين.
وتوضح أن إرسال بعض الحالات للعلاج في الخارج كان خيارًا محدودًا، حيث واجه الأهالي صعوبات كبيرة، بما في ذلك رفضهم التبليغ لدى الجهات المختصة بسبب تعقيدات قانونية وإجرائية، ما أدى إلى تعطّل إجراءات الدعم. وتضيف أن هذه الإجراءات غالبًا ما تتطلب شكوى شخصية من الأهل، وهو ما لم يتم في بعض الحالات، ما زاد من تعقيد الوضع وأدى إلى تعطّل حقوق الأطفال المصابين بالتوحد.
وتلفت الحشاني إلى أن الواقع يعكس ضعف الوعي لدى بعض الأطراف، وهو ما يجعل الغريزة الشخصية للأهل أحيانًا تتجاوز أي إجراءات رسمية، ما يخلق تحديات إضافية أمام متابعة العلاج وإدارة الحالة. وتشير إلى أن هذه التجارب أظهرت قصورًا في التغطية المؤسسية، حيث لم تُقدّم الدولة أي منظومة شاملة لإدارة ملف التوحد داخليًا أو خارجيًا بطريقة منظمة، ما يترك الأهالي والأطفال في مواجهة مباشرة مع تحديات كبيرة، بما في ذلك صعوبات مالية وقانونية ونفسية.
واختتمت أن الحل يكمن في تطوير آليات واضحة ودعم مؤسسي متكامل، سواء على المستوى الوطني أو بالتعاون مع المراكز الدولية، لضمان توفير رعاية فعّالة ومستدامة للأطفال المصابين بالتوحد، مع حماية حقوقهم وأمانهم النفسي والمعيشي.
-جهود حكومية
أصدر رئيس مجلس وزراء الحكومة الليبية أسامة حماد، القرار رقم (214) لسنة 2024، والمتعلق بإنشاء الهيئة الوطنية لعلاج وتأهيل أطفال التوحد، في خطوة وصفها مراقبون بالهامة لدعم هذه الفئة ومواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها الأطفال المصابون بالتوحد وأسرهم في ليبيا.
وينص القرار في مادته الأولى على إنشاء مؤسسة علاجية وتأهيلية تحمل اسم الهيئة الوطنية لعلاج وتأهيل أطفال التوحد، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، وتتبع مباشرة لمجلس الوزراء. وتختص الهيئة بتنفيذ سياسة الدولة فيما يتعلق برعاية الأطفال المصابين بالتوحد، وتقديم الرعاية العلاجية والتأهيلية الشاملة لهم، بما يشمل الدعم الصحي والنفسي والاجتماعي.
وتضمن القرار مجموعة من الاختصاصات الجوهرية، منها استقبال أطفال التوحد في مقر الهيئة لتوفير الإيواء الصحي لهم، وتهيئتهم للاندماج في المجتمع، كذلك التعاقد مع كوادر طبية متخصصة من الخارج ممن لديهم تجارب ناجحة في التعامل مع الأطفال ذوي اضطراب التوحد.
كما يشمل القرار توفير الأجهزة والمعدات الذكية والمتطورة في العلاج النفسي، وتنظيم دورات تدريبية مكثفة داخل وخارج ليبيا لرفع كفاءة الأطفال وتحقيق التعافي التدريجي.
ويهدف القرار أيضا إلى حصر أعداد أطفال التوحد في الدولة، وتحديد أعمارهم واحتياجاتهم الصحية، مع صرف منح مالية شهرية خلال فترة الإيواء، وتحمل كافة المصاريف الدراسية للمتفوقين داخل وخارج البلاد، إضافة إلى المصاريف العلاجية إذا اقتضت الحاجة.
وحُدد المقر الرئيسي للهيئة في مدينة بنغازي، مع السماح بفتح فروع ومكاتب إضافية في المدن الأخرى حسب الحاجة وبقرار من مجلس إدارة الهيئة.
كما نص القرار على مصادر تمويل الهيئة، والتي تتضمن الاعتمادات المخصصة لها في الميزانية العامة للدولة، والتبرعات، والإيرادات الأخرى التي يقررها مجلس الوزراء.
ويجوز للهيئة استثمار أموالها وفق خطط وبرامج محددة، بما في ذلك تأسيس شركات ومشاريع استثمارية، مع اعتبار الأطفال المستفيدين من برامج الهيئة مساهمين فيها بحصص محددة، لضمان مشاركة فاعلة وتحقيق الاستدامة المالية.
-الدمج بالمؤسسات التعليمية
توضح اختصاصية الشؤون التعليمية وخبيرة الإعاقة البصرية ورئيسة قسم الدمج للفئات الخاصة بوزارة التعليم بالحكومة الليبية نعيمة المجبري، أن دمج أطفال اضطراب طيف التوحد في المؤسسات التعليمية يعتمد بشكل أساسي على مدى تقبل المجتمع والمحيط التعليمي لهم.
وتشير إلى أن مستوى الوعي بين المعلمين وموظفي المدارس والمختصين لا يزال متفاوتا، فبعضهم قادر على تقديم الدعم والخدمات اللازمة للأطفال، بينما يعاني آخرون من نقص الوعي أو الفهم لكيفية التعامل مع هذه الفئة.
وتلفت المجبري؛ إلى أن جهود المختصين النفسيين والأخصائيين التربويين كبيرة، إذ يسعون لتعديل بعض السلوكيات لدى الأطفال في المراكز التأهيلية قبل دمجهم داخل الصفوف العادية.
وتوضح أن عملية الدمج تكون أكثر نجاحًا إذا خضع الطفل لبرنامج تأهيلي معد بعناية، ورافقه المدرب لفترة معينة لضمان تأقلمه مع البيئة الجديدة وعدم تأثير التغيير على أدائه.
وتشير إلى أن هناك تحديات كبيرة حين تكون إعاقة التوحد مزدوجة مع إعاقات أخرى، مثل الإعاقة البصرية أو الحركية أو السمعية، إذ يزيد ذلك من فترة التأهيل ويضاعف صعوبة الدمج داخل المؤسسات التعليمية. وتضيف أن أغلب أولياء الأمور غير مدركين لطبيعة البرامج التأهيلية التي تتطلب وقتا طويلا، كما أن غياب المراكز المتخصصة يزيد من التحديات أمام الأطفال ذوي الاحتياجات المتعددة.
وتؤكد المجبري أن هناك فئات أخرى موجودة داخل المؤسسات التعليمية، مثل الأطفال الذين يعانون صعوبات تعلم، واضطرابات نفسية أو إعاقات ظاهرية، وقد نجح دمجهم بشرط توفير الخدمات المناسبة لهم، مثل غرف المصادر، والبرامج المساندة، والأدوات التعليمية المتخصصة. لكنها تضيف أن هذه الخدمات لم تُقدّم بشكل كافٍ للفئات المصابة بالتوحد، ما يحد من استفادتهم ويؤثر على قدرتهم على متابعة التعليم بفعالية.
وأشارت أن المجتمع بحاجة إلى زيادة التوعية بأهمية دمج الأطفال ذوي اضطراب التوحد، كما أن المؤسسات التعليمية نفسها تحتاج إلى إعداد شامل، يشمل تدريب المعلمين، وتأهيل المرافق، وتطوير المناهج وطرق التدريس بما يتناسب مع قدرات واحتياجات هؤلاء الطلاب.
كما تشير إلى أن توفير أدوات تعليمية مناسبة وتقنيات مساعدة يُعد أمرا حيويًا لضمان حصول الأطفال المصابين بالتوحد على حقهم في التعليم، وتمكينهم من المشاركة الكاملة داخل المؤسسات التعليمية، مع توفير بيئة آمنة وداعمة لتطوير مهاراتهم الأكاديمية والاجتماعية.
-الراي القانوني
أوضح المستشار القانوني فرج زيدان؛ في ليبيا، يظل الإطار القانوني للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد غير محدد بشكل دقيق، إذ لا توجد تشريعات خاصة تنظم حقوق هذه الفئة، ويُعتمد في الغالب على القواعد العامة.
قانون حقوق الطفولة الصادر عام 1997 يكفل للأطفال الحماية والتنمية والتعليم والغذاء والصحة والسكن، ويشمل جميع الأطفال دون سن السادسة عشرة، بما فيهم المصابون بالتوحد، إلا أن غياب نصوص محددة يجعل حقوقهم غير مضمونة عمليا على الأرض.
بالإضافة إلى ذلك، تستفيد هذه الفئة من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والطفل، والتي صادقت عليها الدولة الليبية، ما يوفر إطارا قانونيا عامًا يضمن لهم الحق في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، رغم أن هذه القوانين ليست متخصصة بالتوحد.
ويؤكد المختص زيدان أن الاعتماد على القواعد العامة وحدها لا يكفي لتلبية الاحتياجات الخاصة للأطفال المصابين بالتوحد، ويتركهم معرضين للإهمال والتهميش في كثير من الحالات.
وأشار إلى أن الهيئة الوطنية لعلاج وتأهيل أطفال التوحد تعمل حاليًا على إعداد مشروع قانون خاص بهذه الفئة، يهدف إلى تقديمه لمجلس النواب للمصادقة عليه، ليصبح تشريعا ملموسا يضمن حقوقهم بشكل قانوني مباشر.
وأضاف أن مقارنة الوضع الليبي بتجارب دول مثل مصر وبعض الدول الأوروبية تظهر أهمية وجود قوانين متخصصة توفر التعليم والرعاية الصحية والدعم الاجتماعي للأطفال المصابين بالتوحد، وهو ما يفتقر إليه النظام القانوني الحالي في ليبيا.
كما أشارت الحقوقية أسماء الحشاني إلى أن الجانب القانوني المتعلق بأطفال وشباب اضطراب طيف التوحد في ليبيا لا يزال يعاني من قصور واضح، إذ يندرج هذا الاضطراب ضمن قانون رقم 5 الخاص بالأشخاص ذوي التخلف العقلي، الذي يركز على الإعانات المنزلية فقط للحالات المصنفة على أنها متخلفة عقليا بشدة.
وأضافت أن التوحد المتقدم لا يندرج دائمًا ضمن هذه الفئة، فهناك حالات ذكاؤها مرتفع تصل إلى 150 في المائة، لكنها لا تجد فرص توظيف مناسبة بسبب غياب برامج تأهيلية فعلية، رغم قدراتها الذهنية.
وأشارت إلى أن هذه الثغرة القانونية تجعل العديد من الشباب غير قادرين على الاعتماد على أنفسهم أو الاستفادة من الحقوق الأساسية، ما يزيد من العبء على أسرهم ويضعهم في حالة من القلق المستمر.
وتؤكد الحشاني أن المسودات القانونية المتعلقة بحقوق المصابين بالتوحد، التي أعدتها لجنة متخصصة لا تزال عالقة، إذ قد يستغرق مجلس النواب سنوات طويلة لمناقشتها والمصادقة عليها، وهو ما يؤدي إلى تأخير ملموس في توفير الحماية القانونية والدعم الفعلي للأطفال والشباب المصابين بالتوحد.
كما أشارت إلى أن ليبيا مصدقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تضم 52 مادة تضمن حقوقهم، ويجب استناد القوانين الوطنية عليها لضمان توفير الحماية والدعم المناسبين، إلا أن التنفيذ الداخلي ما يزال ضعيفًا وغير كافٍ.
وأكدت أن الأطفال والشباب المصابين بالتوحد وأسرهم بحاجة إلى دعم شامل يشمل الرعاية النفسية، التأمين الطبي، التسهيلات الإدارية، وتأمين بيئة تعليمية وعملية مناسبة. كما يشير إلى أهمية تسهيل ظروف عمل أولياء الأمور، مثل منحهم دواما جزئيا أو أيام عمل مرنة، ودعم مالي للأسر من الدولة لتغطية الاحتياجات الأساسية والخدمات التأهيلية.
وتؤكد الحشاني أن غياب الإشراف القانوني والتنظيمي، ووجود حالات إيواء خاص بدون رقابة، يزيد من خطر الانتهاكات ويهدد سلامة الأطفال، مما يجعل تطوير إطار قانوني واضح وفعال، مع مراقبة تنفيذ الحقوق والخدمات، ضرورة عاجلة لضمان حياة كريمة وآمنة لهم ولأسرهم في ليبيا.
-معاناة الأسر
تقول بشرى فرج، والدة طفل يبلغ من العمر سبع سنوات، إن معاناتها بدأت منذ المراحل الأولى من نمو ابنها أيمن، حيث لاحظت تأخره الواضح في النمو والكلام والحركة، إذ كان لا يتفاعل مع محيطه ولا ينطق سوى بكلمة واحدة. وتضيف أنها زارت عددا من الأطباء، الذين طمأنوها بأن ما يعانيه طفلها مجرد تأخر طبيعي وسيتحسن مع مرور الوقت، إلا أن حالته لم تشهد أي تحسن يُذكر.
وتوضح بشرى أنها توجهت لاحقا إلى طبيب معروف في مجال اضطراب طيف التوحد، وصف لطفلها علاجات خاصة بالأعصاب، لكنها تسببت في تدهور حالته، ما اضطرها إلى إيقاف العلاج.
وبعد ذلك، قررت إلحاق أيمن بمركز تأهيلي، إلا أنها فوجئت بتعرضه للعنف والضرب داخل المركز، الأمر الذي زاد من معاناتها وأفقدها الثقة في بعض مراكز التأهيل.
وتشير إلى أن أيمن يعاني حاليا من سلوكيات صعبة، كتحطيم الأشياء وإلقائها في الماء، إضافة إلى البكاء المستمر كوسيلة للتعبير عن احتياجاته، ما يولد لديها شعورا دائما بالعجز والقلق على مستقبله، متسائلة عن مصيره ومن سيتولى رعايته وفهمه بعد غيابها.
وتضيف أن الأسرة باتت تتجنب التجمعات العائلية بسبب النظرات والأسئلة المتكررة، رغم الدعم الذي تتلقاه من العائلة، مؤكدة أن العبء النفسي على الأم يبقى كبيرا ومرهقا.
وفي ختام حديثها، تناشد بشرى فرج المسؤولين بضرورة توفير مراكز تأهيل متخصصة ومؤهلة، وتعزيز الدعم والرعاية لأطفال التوحد وأسرهم، مع التأكيد على أهمية الوعي والفهم في عملية التأهيل.
فرج زيدان أب لطفل عمر8 سنوات؛ أوضح أن معاناة أسر الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد لا تقتصر على الجوانب الصحية فقط، بل تمتد إلى ضغوط نفسية واجتماعية يومية، ناتجة عن ضعف الوعي المجتمعي بطبيعة هذا الاضطراب. وأكد فرج زيدان أن نقص الفهم الصحيح للتوحد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تصرفات وتعليقات غير مسؤولة من بعض أفراد المجتمع، ما يخلّف أثرًا نفسيًا ومعنويًا قاسيًا على الأسرة، ويزيد من شعورها بالعزلة والإنهاك.
وأضاف زيدان أن خروج الطفل إلى الأماكن العامة يظل مصدر قلق دائم لوليّ الأمر، خوفا من نظرات الآخرين أو من سلوكيات غير متوقعة قد تصدر عن الطفل، الأمر الذي يدفع بعض الأسر إلى تقليص مشاركتها في الأنشطة الاجتماعية أو تجنب المناسبات العامة.
وأوضح أن هذه الضغوط قد تمتد أحيانا إلى نطاق الأسرة القريبة، حيث تسجَّل مواقف مؤلمة ناتجة عن سوء الفهم أو غياب الدعم الكافي من بعض الأقارب.
وأكد أن الجانب المالي يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر، في ظل الارتفاع الكبير لتكاليف مراكز التأهيل الخاصة، وجلسات العلاج السلوكي والنطق والعلاج الوظيفي، إضافة إلى الحاجة إلى أنظمة غذائية خاصة خالية من الجلوماتين، وبعض المعادن، لبعض الحالات.
وأضاف أن محدودية الدعم الحكومي وقلة المراكز المتخصصة المؤهلة بالكفاءات والخبرات اللازمة تزيد من تعقيد رحلة العلاج والتأهيل.
وأشار وليّ الأمر فرج زيدان إلى أن هذه التحديات المتراكمة تفرض ضغوطًا يومية كبيرة، ما يستدعي توفير دعم مؤسسي واجتماعي حقيقي يخفف من معاناة الأسر، ويضمن للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد حقهم في حياة كريمة وآمنة.
تقول الأم إن ابنتها غيداء، التي أتمّت الرابعة عشرة، ودخلت عامها الخامس عشر، تعاني منذ ولادتها من مشكلات صحية خطيرة.
فبعد ولادتها أُصيبت بارتفاع حاد في نسبة الصفرة، وأجرى لها عملية تبديل دم لها أكثر من مرة، لكن الحالة ساءت وارتفعت الصفرة إلى مستويات خطيرة أثّرت على خلايا الدماغ، ما تسبب في تلف دماغي دائم، بحسب ما أبلغها به الأطباء في مستشفى الأطفال، حيث وُصفت الحالة لاحقًا على أنها خطأ طبي، وأُكد لها أن ابنتها لن تعيش حياة طبيعية.
وأوضحت أم غيداء؛ منذ طفولة ابنتها المبكرة، لاحظت تأخرا واضحا في نموها، سواء في الجلوس أو الزحف أو المشي أو التفاعل، إذ لم تتمكن من المشي بشكل طبيعي، وخضعت لجلسات علاج طبيعي لمدة سنتين.
ومع مرور الوقت، وبدل التحسن، بدأت حالتها تزداد صعوبة كلما كبرت.
كما سافرت بابنتها إلى الأردن، حيث شُخّصت حالتها رسميا باضطراب طيف التوحد مع تخلف عقلي شديد.
كما جربت مراكز علاجية داخل ليبيا وخارجها، وسافرت بها إلى مصر لعدة أشهر، لكنها اضطرت للعودة بسبب التكاليف المرتفعة.
تعاني غيداء حاليا من سلوكيات عدوانية شديدة، كالصراخ وضرب نفسها والآخرين، ولا تستطيع الأم تركها بمفردها أو مع إخوتها.
وقد أُلحقت مؤخرًا بمركز متخصص، ولاحظت الأسرة تحسنا بسيطا.
-فاجعة الطفل عبدالله المجبري
في مدينة بنغازي، عمت حالة من الحزن والفاجعة بعد وفاة الطفل عبد الله المجبري، البالغ من العمر تسع سنوات، الذي وجد متوفيا في البحيرات بعد أيام من اختفائه الغامض، في مايو الماضي.
كان عبد الله، المصاب باضطراب طيف التوحد، يواجه صعوبات كبيرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي، ما جعل قدرته على طلب المساعدة أو العودة إلى المنزل بمفرده شبه معدومة.
ولم يصدر تقرير طبي رسمي يوضح أسباب الوفاة، لكن الترجيحات تشير إلى احتمال غرقه عرضيا، إذ كثيرا ما تنجذب الأطفال ذوي التوحد للمياه بسبب خصائصها البصرية أو الصوتية، دون إدراك المخاطر.
كما لم تُستبعد فرضيات أخرى، منها الإرهاق الجسدي أو انخفاض حرارة الجسم، أو التعرض لحادث غير مباشر أثناء وجوده قرب المياه.
آخر ظهور لعبد الله كان في شمال بنغازي، بالقرب من محلات تجارية وورشة تحمل اسم المجبري على الطريق الرئيسي.
شقيقه البالغ من العمر 10 سنوات نشر فيديو مؤثرا على مواقع التواصل الاجتماعي، ناشد فيه السلطات والمواطنين البحث عن شقيقه، مؤكّدا أن والدته في حالة انهيار شديد منذ اختفائه.
ورغم الجهود المكثفة التي بذلتها فرق التطوع والأجهزة الأمنية، لم تفضِ عمليات البحث إلى أي تقدم ملموس، ما دفع الأسرة إلى مناشدة المواطنين الذين يمتلكون كاميرات مراقبة بمراجعة تسجيلاتهم خلال الأيام الماضية، أملا في الوصول إلى أي معلومة تساعد في تحديد مكانه.
وفي خضم هذه الأزمة، شددت الأمهات، على أهمية التوعية والتأهيل المبكر للأطفال المصابين بالتوحد، معتبرات أن برامج التدريب المتخصصة منذ سن مبكرة تمنح الأطفال القدرة على التفاعل بأمان مع محيطهم والتصرف بحكمة في المواقف الطارئة.
بدوره، أكد المختص في علم النفس والإرشاد الأسري فرج نجم، أن وعي المجتمع يشكل خط الدفاع الأول، مشيرا إلى ضرورة التعامل بهدوء ولطف مع الطفل، وتجنب الحركات المفاجئة، ومراقبة ردود أفعاله، وعدم تركه بمفرده حتى وصول الجهات المختصة، لأن كل دقيقة تأخير قد تكلف حياة طفل.
-حالات مبشرة
لم يستسلم عبد المالك الشريف، البالغ من العمر 16 عاما، لاضطراب طيف التوحّد، بل حوّل هذا التحدي إلى مساحة لاكتشاف موهبته في فنّ الرسم بمختلف أساليبه، ليصبح معروفًا في محيطه بإبداعه الفني المميّز.
وبدعم أسري متواصل، شجعت والدته عبد المالك على تنمية مهارته في التعامل مع الورقة والقلم والألوان، رغم الصعوبات المرتبطة بتقلبات المزاج والسلوك.
ومع الصبر والمتابعة، تطورت موهبته وأنتج أعمالًا فنية لافتة باستخدام الريشة والأدوات الرقمية.
وشارك عبد المالك بلوحتين في معرض ثقافي بمدينة سرت، حيث لاقت أعماله استحسان الزوار، ما شكل دافعا إضافيا لمواصلة دعمه.
وتبرز هذه التجربة أهمية الرعاية الأسرية، في ظل نقص المراكز الحكومية المتخصصة بتأهيل أطفال طيف التوحد.
الطفل سعيد يبلغ من العمر عشر سنوات ويدرس في الصف الرابع من مرحلة التعليم الأساسي. وتقول إحدى معلماته إنها لم تلاحظ عليه أي علامات أو سلوكيات غير معتادة تميّزه عن أقرانه داخل الفصل الدراسي، بل كانت تصرفاته طبيعية وعادية، ولا تختلف عن بقية التلاميذ. كما أضافت أن أداءه الدراسي متميز، إذ يُظهر تفوقًا ملحوظًا في التحصيل العلمي، ويؤدي واجباته المدرسية بانتظام، ويتمتع بقدرة جيدة على الفهم والاستيعاب ويلتزم بالتعليمات داخل الصف.
وأوضحت المعلمة أن معرفتها بوجود تشخيص لحالة الطفل جاءت لاحقًا، بعدما أبلغتها الأخصائية الاجتماعية بذلك بناءً على رغبة أسرته، وليس نتيجة ملاحظة سلوكيات ظاهرة داخل البيئة المدرسية. وتؤكد أن هذه التجربة تعكس تفاوت مظاهر بعض الاضطرابات النمائية، وإمكانية اندماج الطفل بشكل طبيعي في المحيط التعليمي عند توفر الدعم الأسري والمتابعة المناسبة. (الأنباء الليبية) س خ.
-أنجزت هذه المادة الصحفية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
-إعداد: سليمة الخفيفي