بنغازي 19 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – لم يعد الطلاق مجرد حادثة استثنائية أو نهاية مؤلمة تُروى همسا بين الناس، بل أصبح واقعا يومي متكرر يطبع حياة العديد من الأسر، ويظهر بوضوح في المحاكم والبيوت على حد سواء.
هذا الواقع يحمل وراءه قصصا إنسانية صامتة مليئة بالألم والمعاناة، وأرقاما صادمة تكشف عن اتساع الظاهرة، بين ضغوط السكن وغياب التأهيل للأزواج وتدخل الأهل المستمر، تتفكك كثير من الأسر قبل أن تكتمل ملامحها، مما يجعل التساؤل عن مستقبل الاستقرار الأسري أكثر إلحاحا وضرورة في ظل هذه التحديات الاجتماعية المتصاعدة.
-حكايات صامتة مؤلمة
في أحد أحياء مدينة بنغازي، تجلس سلمى عند نافذة بيت أهلها، تراقب الشارع الذي كانت تعبره قبل عامين وهي عروس مفعمة بالأحلام.
اليوم، لا تعبره إلا بنظرات ثقيلة، بعد أن وجدت نفسها مطلّقة قبل أن تُكمل عامها الثامن والعشرين.
لم يكن في قصتها خيانة ولا عنف ولا فضائح تُتداول، بل حياة يومية مزدحمة بالضغوط، وبيت مشترك ضاق بأهله ومشاكله، حتى انهار الزواج بصمت.
تقول سلمى: «لم يكن لدينا بيتنا الخاص… كل شيء كان مشتركًا، حتى المشاكل». ثمانية أشهر فقط كانت كافية لتحويل الحلم إلى عبء، والارتباط إلى صراع خفي أنهك العلاقة. قصة سلمى ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر في آلاف البيوت الليبية، حيث تتحول العلاقات الزوجية إلى أرقام في سجلات المحاكم، وأوجاع مؤجلة في صدور أصحابها.
وفي حي آخر، تروي عائشة قصتها بمرارة؛ تزوجت قبل أن تُكمل التاسعة عشرة، تحت ضغط المجتمع والخوف من المستقبل.
تقول: «قالوا الزواج ستر… لكن لم يخبرني أحد ماذا تعني المسؤولية».
وبعد ستة أشهر فقط، عادت إلى بيت أهلها، تحمل تجربة أكبر من عمرها، وتجسد واقع زواج بلا استعداد حقيقي.
-أرقام تنذر بالخطر
يصف رئيس مؤسسة اليسر للأعمال الخيرية المتخصصة في قضايا الطلاق في ليبيا عبدالجليل الفزاني، ما يحدث بأنه «أزمة اجتماعية حقيقية تهدد استقرار الأسرة الليبية»، ويؤكد أن ليبيا، وللأسف، تتصدر المرتبة الأولى عربيا وإفريقيا في نسب الطلاق، وتحتل المرتبة الثامنة عشرة عالميا، وفق إحصائيات صادرة عن مراكز دولية متخصصة.
ويشير الفزاني؛ إلى أن مؤسسة اليسر بادرت منذ مارس 2020 بتنظيم أول مؤتمر علمي وطني حول الطلاق في ليبيا، بإشراف جامعة بنغازي ومشاركة جامعات ليبية وأطراف دولية، وخلص المؤتمر إلى أن الطلاق تحوّل إلى ظاهرة خطيرة تتطلب تدخلًا تشريعيًا وتنفيذيا عاجلا، ورغم هذه التحذيرات، واصلت الأرقام ارتفاعها حتى عام 2024.
وخلال الفترة من 2015 إلى 2019، سُجلت في ليبيا 41,868 حالة طلاق، وهو رقم مرتفع قياسا بعدد السكان الذي لا يتجاوز سبعة ملايين نسمة.
أما في بنغازي الكبرى، بين عامي 2017 و2024، فقد تم تسجيل 46,963 عقد زواج، مقابل 28,442 حالة طلاق، في حين لم يتجاوز عدد الزيجات المستقرة 18,521 فقط. أرقام تعني ببساطة أن البيوت التي تُهدم أكثر من تلك التي تُبنى.
وبحسب بيانات محكمة شرق بنغازي الابتدائية لسنة 2025، بلغ إجمالي حالات الطلاق بالاتفاق 1,331 حالة، بينما وصلت دعاوى الطلاق بالنزاع، سواء للضرر أو لأسباب أخرى، إلى 1.706 دعاوى، تم الفصل في 972 منها، فيما لا تزال 734 قضية قيد النظر. كما سُجل 277 عقد زواج لقاصرين، ما يضع زواج القُصّر في قلب الأزمة.
-أسباب تتكرر
يرى عبدالجليل الفزاني أن زواج القُصر أصبح أحد أبرز أسباب تفاقم ظاهرة الطلاق، نتيجة عوامل متداخلة، من بينها الحروب وعدم الاستقرار، والخوف من العنوسة، والإغراء بالمنحة المالية للزواج، إضافة إلى الاستعجال في إتمام العقود دون تأهيل أو وعي كافٍ.
وأكد: «لسنا ضد الزواج المبكر، لكننا ضد أن يكون دون فهم قدسية الزواج ودون استعداد حقيقي لتحمل مسؤولياته».
لكن السبب الأكبر، بحسب الفزاني، يظل غياب السكن المستقل، حيث تشير الإحصاءات إلى أن 62 في المائة من حالات الطلاق تعود إلى عدم توفر بيت خاص. ففي مجتمع تنتقل فيه الفتاة من «بيت أهلها» إلى «بيت أهل زوجها»، تتحول الحياة المشتركة إلى ساحة تدخلات وضغوط يومية، تُفقد العلاقة خصوصيتها، وتحول الخلافات الصغيرة إلى أزمات كبرى، وتدعم شهادات الواقع هذه المعطيات.
ففي إحدى منصات التواصل الاجتماعي الليبية، على صفحة يتجاوز عدد متابعيها مليون شخص، أجمع معظم المتفاعلين على أن تدخل الأهل وغياب التأهيل من أبرز أسباب الطلاق. تحكي سلمى، وهي اسم مستعار، عن زواج دخلته بنية صادقة لبناء أسرة، لكنها وجدت نفسها مع زوج ضعيف الشخصية، خاضع لتدخلات والدته وأخواته في أدق تفاصيل حياته. تقول: «لم تكن لي أي خصوصية… عشت ضغطا نفسيا وقهرا يوميا». وبعد محاولات طويلة، طلبت الطلاق حفاظًا على كرامتها.
-رؤية دينية واجتماعية
أما مريم، وهو اسم مستعار أيضا، فجاء جرحها من أقرب الناس، حيث قالت: عاملت أهل زوجها يوسف كأهلها، لكنها لم تعلم أن في الخفاء تُحاك ضدها الأكاذيب والتحريض، في غيابها، بدأ والد زوجها وأخواته بتشويه صورتها، حتى تحوّل الأمر إلى هجوم قاسٍ عليها وعلى أبنائها.
اعترف يوسف لاحقا بما حدث واعتذر، لكن الاعتذار جاء بعد أن تحطم كل شيء، وتقول مريم: «طلبت الطلاق لا هربًا، بل حفاظا على ما تبقى من روحي».
-مودة ورحمة
من جانبه، يؤكد عضو اللجنة العليا للإفتاء في ليبيا الشيخ إبراهيم بالأشهر، أن الزواج في الإسلام يقوم على المودة والرحمة والسكن النفسي، وليس مجرد ارتباط شكلي، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. ويرى أن غياب هذه القيم هو السبب الرئيسي في تفكك كثير من الأسر.
ويضيف الشيخ بالأشهر أن من أبرز أسباب الطلاق عدم تهيئة المرأة، وأحيانًا الرجل، للحياة الزوجية، إلى جانب تدخل أطراف خارجية في شؤون الزوجين، وغياب روح المسؤولية، وعدم معرفة كل طرف بحقوقه وواجباته الشرعية.
كما يشدد على أن الإسلام وضع حلولًا واضحة للخلافات الزوجية، تقوم على التناصح وإصلاح ذات البين وعدم تضخيم المشاكل، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿إن يريدا إصلاحًا يوفّق الله بينهما﴾.
ويؤكد كذلك ضرورة الالتزام بأحكام الشريعة في الطلاق الرجعي، مشيرًا إلى أنه لا يجوز للمرأة مغادرة بيت الزوجية خلال هذه الفترة، لما في ذلك من فرصة حقيقية للمراجعة وإعادة بناء الأسرة.
ويختم بالتأكيد على أن الحفاظ على الأسرة مسؤولية مشتركة، وأن الوعي الديني والأخلاقي هو الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمع.
أمام هذا النزيف الصامت، تتعالى الدعوات إلى تحرك جاد من الدولة والمجتمع، عبر سن قوانين تحمي الأسرة، وإطلاق برامج تأهيل للمقبلين على الزواج، ومعالجة أزمة السكن جذريا.
ويبقى السؤال مفتوحًا: كم بيتا آخر يجب أن يُهدم، قبل أن ندرك أن الزواج ليس عقدا فقط، بل مسؤولية حياة كاملة؟ (الأنباء الليبية) س خ.
-تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
-إعداد: نور الهدى العقوري