بنغازي 17 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – تواجه ليبيا في المرحلة الراهنة أزمة مالية خانقة تعكس اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام، في وقت يستمر فيه تصدير النفط وتحقيق إيرادات كان من المفترض أن تخفف من حدة الضغوط الاقتصادية. غير أن فشل مصرف ليبيا المركزي في معالجة العجز المالي المتصاعد، وضعف التنسيق بين السياسات النقدية والمالية، ساهما في تعقيد المشهد الاقتصادي وزيادة المخاطر المحدقة بالاحتياطي النقدي.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس الأكاديمية الليبية للحوكمة، الخبير الاقتصادي عبد الرحيم الشيباني أن مصرف ليبيا المركزي يعتمد، منذ تولي المحافظ الحالي ناجي عيسى مهامه، على السحب من الاحتياطيات النقدية لتغطية العجز، وهو ما يمثل تحولًا واضحًا عن السياسات السابقة التي كان ينتهجها المحافظ الأسبق الصديق الكبير، الذي التزم بنهج أكثر تحفظًا يقوم على إلزام الحكومات بسقوف الميزانية المعتمدة، بهدف حماية الاحتياطي وضمان استدامته.
وبيّن الشيباني أن جوهر الأزمة يتمثل في هيكل الإنفاق العام، حيث تلتهم المرتبات ما بين 60 و70% من إجمالي المصروفات الحكومية، وهو نمط إنفاق غير مستدام يحدّ من القدرة على توجيه الموارد نحو التنمية والاستثمار. وفي المقابل، تعاني الإيرادات العامة من عجز يتراوح بين 30 و50%، نتيجة الاعتماد شبه الكلي على النفط، وضعف تنويع مصادر الدخل، إلى جانب التهريب، وتذبذب الإنتاج، والانقسام المؤسسي الذي يحد من كفاءة التحصيل المالي.
ويُضاف إلى هذه الاختلالات عامل بالغ الخطورة يتمثل في الاستمرار في الصرف المفرط للاعتمادات المستندية لتوريد سلع غير منتجة محليًا، حيث يتم إغراق السوق الليبي الاستهلاكي بعشرات الأصناف من المنتج الواحد المستورد بالعملة الصعبة من مختلف دول العالم. هذا النمط من الاستيراد لا يخدم سوى اقتصاديات الخارج، ويؤدي إلى استنزاف مستمر للنقد الأجنبي، دون أن يقابله أي أثر تنموي أو قيمة مضافة محلية. كما يساهم في ضرب أي فرص محتملة لنشوء صناعات وطنية أو حتى أنشطة تجميع بسيطة، ويعزز ثقافة الاستهلاك على حساب الإنتاج، ما يزيد من هشاشة الاقتصاد ويعمق العجز في ميزان المدفوعات.
وعند مقارنة الوضع الليبي بتجارب دول نفطية أخرى، يتضح أن المشكلة لا تكمن في وفرة الموارد، بل في ضعف الحوكمة وسوء توجيه الإنفاق. فقد نجحت دول نفطية كثيرة في ضبط الاستيراد، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتوظيف الفوائض النفطية عبر صناديق سيادية واستثمارات طويلة الأجل، بينما لا تزال ليبيا عاجزة عن بناء منظومة فعالة لإدارة مواردها، ما يجعلها عرضة للأزمات عند أي تراجع في الإيرادات.
وأشار الشيباني إلى أن السياسات النقدية الحالية التي يتبعها المصرف المركزي، رغم محاولتها تقليص الفجوة المالية، تظل محدودة الأثر في ظل غياب إصلاحات مالية حقيقية، خاصة مع استمرار الصرف خارج إطار قانون الميزانية. وأكد أن قانون الميزانية ليس مجرد أداة للصرف، بل يمثل أداة رقابة أساسية لضمان الشفافية والمساءلة، محذرًا من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطي النقدي في أقل من عام.
وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على حياة المواطنين، من خلال تراجع الخدمات العامة، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية. وفي هذا الإطار، دعا الشيباني إلى تحرك عاجل من المجتمع المدني ومنظمات الرقابة والمختصين للضغط نحو إصلاحات شاملة، تشمل توحيد المؤسسات المالية، وضبط الاعتمادات المستندية، وإعادة هيكلة بند المرتبات تدريجيًا، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، إلى جانب وضع سياسة واضحة لترشيد الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي، بما يضمن حماية الاحتياطي الوطني واستقرار الاقتصاد الليبي على المدى المتوسط والطويل. (الأنباء الليبية) س خ.
