بنغازي 31 ديسمبر 2025 (الأنباء الليبية) – تتصاعد المخاوف الصحية في الجنوب نتيجة الاعتماد الكبير على الإنتاج الزراعي والحيواني المحلي دون رقابة فعالة أو وعي كاف بالممارسات السليمة.
الاستخدام العشوائي للأسمدة والمبيدات، إلى جانب ضعف الإرشاد الزراعي وسوق المبيدات غير المنظم، يهدد صحة الإنسان والبيئة على حد سواء، ويزيد من احتمالية انتقال السموم عبر السلسلة الغذائية، ما يستدعي تدخلا عاجلا لضمان غذاء آمن ومستدام.
-سموم بلا رقابة
لا تأتي المخاطر الصحية دائما بصورة مباشرة، بل تتسلل بصمت من الحقول إلى موائد الناس، عبر استخدام عشوائي للمبيدات وغياب رقابة فعالة على الغذاء والبيئة.
ويحذر مختصون في جنوب البلاد من أن الوضع بات مقلقا، إذ تُستعمل مبيدات كيميائية دون إرشاد علمي كاف، ما أدى إلى تلوث التربة والمياه الجوفية وظهور آفات مقاومة للعلاج.
وتؤكد تقارير أكاديمية وجود بقايا مبيدات في المنتجات الزراعية قد تنتقل إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية مسببة أمراضا خطيرة مثل الفشل الكلوي وتليف الكبد وبعض السرطانات.
كما يشير خبراء إلى ضعف وعي المزارعين واعتماد بعض المزارع على عمالة غير مؤهلة تُمنح صلاحيات واسعة دون متابعة، بينما تراجعت أدوار الإرشاد الزراعي والرقابة السوقية.
في المقابل، يطالب مختصون بإعادة تنظيم سوق المبيدات، وتشديد الفحص على المنتجات، وتفعيل العقوبات، إلى جانب نشر ثقافة زراعية علمية تحمي الإنسان والبيئة وتضمن أمنا غذائيا آمنا ومستداما.
ويدعو ناشطون محليون إلى شفافية أكبر في إعلان نتائج الفحوصات، وتوحيد الجهود بين البلديات والجامعات والجهات الرقابية لوضع خطط عملية تقلل المخاطر وتحافظ على صحة المجتمع.
اليوم وقبل فوات الأوان حماية الأجيال.
-أورام ووقاية صحية
قالت مديرة مكتب التوعية والتثقيف الصحي سابقا بوادي الآجال ومديرة مركز علاج الأورام بالقلعة وأحد مؤسسي مؤسسة “يشفين”، فايزة سعد علي جودة: إن مسببات الأورام في الجنوب أصبحت واضحة ولم تعد مجهولة، مؤكدة ارتباطها المباشر بسوء التغذية والممارسات الزراعية الخاطئة وضعف الرقابة الصحية على الغذاء والبيئة. وأوضحت أن غياب الدور الفاعل لجهات الرقابة، مثل أجهزة مراقبة الأغذية والشرطة الزراعية، جعل المواطنين عرضة لاستهلاك منتجات غير آمنة في ظل نقص الوعي الغذائي وقلة البدائل الصحية المتاحة.
وحذرت جودة من استخدام مادة برومات البوتاسيوم في بعض المخابز باعتبارها مادة مسرطنة محتملة جرى حظرها دوليًا، إضافة إلى ممارسات خاطئة في محلات الغذاء، مثل تعريض المياه والمشروبات لأشعة الشمس وتداول ملونات ومواد محظورة.
كما نبهت إلى مخاطر صناعة الفحم داخل المزارع، لما ينتج عنها من أدخنة كثيفة تلوث الهواء وتؤثر مباشرة في الجهاز التنفسي. وأشارت كذلك إلى التأثيرات البيئية للحقول النفطية المنتشرة في الجنوب، مؤكدة تسجيل حالات أورام بين السكان القاطنين بالقرب منها نتيجة التعرض المستمر للانبعاثات والملوثات، ما يستدعي تدخلا رقابيا عاجلا وخطط حماية فعالة لصحة السكان.
-حماية المحاصيل الصيفية
أكدت جودة على الدور المحوري للأمهات في حماية صحة الأطفال، مشددة على أن الأغذية المحفوظة والمخزنة لفترات طويلة والتلاعب بتواريخ الصلاحية تشكل خطرا مباشرا على الصحة، خصوصاً للأطفال.
وفي شهادة من الميدان، قال المزارع إبراهيم كاري كوري، الذي يعمل في الزراعة منذ عام 2016، إن المزرعة تعتمد بشكل أساسي على زراعة الأعلاف مثل البرسيم والشعير والقمح والشوفان، مع التركيز على حماية المحصول من الآفات الحشرية باستخدام المبيدات خلال أشهر الصيف، وبالأخص مكافحة حشرة محلية تُعرف باسم “العسيلة”.
وأشار كاري كوري إلى أن الهدف من استخدام المبيدات هو حماية المحصول من الخسائر، مع الالتزام بالنظام الوقائي، واستشارة المهندسين الزراعيين قبل الرش.
وأضاف أن المبيدات تُشترى من المحال الزراعية في منطقة القرضة بمدينة سبها، وتأتي مع تعليمات واضحة بشأن الجرعات وفترات الأمان قبل الحصاد، رغم وجود بعض الأنواع المغشوشة أو منخفضة الجودة التي تؤثر على الفعالية.
وأكد المزارع عدم تسجيل أي مشكلات صحية ناتجة عن استخدام المبيدات، مشيراً إلى أن الإرشاد الزراعي الرسمي غائب، ويعتمدون غالبا على الاستشارات الشخصية للمهندسين.
وختم بالإشارة إلى أبرز التحديات التي تواجه المزارعين، مثل ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات، ونقص الوقود، وعدم استقرار التيار الكهربائي، وهو ما يؤثر سلبا على استمرارية العمل الزراعي، ويزيد الحاجة إلى تنظيم الدعم والإرشاد لضمان إنتاج مستدام وسليم بيئيا وصحيا.
-مبيدات وآثار صحية وبيئية
قال المزارع والمهندس الزراعي عبدالسلام محمد صقر، الذي يمارس العمل الزراعي منذ الصغر ويحمل صفة مهندس زراعي منذ عام 1990: إن الاستخدام غير المرشد للمبيدات الزراعية تسبب في أضرار صحية وبيئية متزايدة داخل المزارع.
وأوضح صقر في إفادته الخاصة للتحقيق أن المبيدات لا تستخدم إلا عند الضرورة، وأن غالبية المواد يتم الحصول عليها من السوق السوداء، وفي كثير من الأحيان دون أي إرشادات زراعية واضحة، ما يزيد من المخاطر المرتبطة بسوء الاستخدام والتعرض غير الآمن للمزارعين والبيئة المحيطة.
وأشار إلى أن تحديد الجرعات وفترات الأمان يعتمد بشكل أساسي على التعليمات المدونة على عبوات المبيد، إضافة إلى خبرته العملية الطويلة في المجال الزراعي.
ومع ذلك، لاحظ آثارا سلبية للمبيدات على التربة والمحاصيل مع مرور الوقت، مؤكدا أن هذه الظاهرة تتكرر بشكل مستمر، ما يظهر تأثير المبيدات على جودة الأرض والمحاصيل الزراعية على المدى الطويل.
وعن التأثيرات الصحية، أقر صقر بأنه واجه هو وبعض العمال مشاكل صحية مرتبطة باستخدام أنواع أو كميات معينة من المبيدات، مؤكدا أن المخاطر تتضاعف بسبب انتشار المبيدات المحرمة والمنتهية الصلاحية، إضافة إلى غياب التعليمات الواضحة على عبوات بعضها.
وشدد صقر على ضرورة أن تتم عمليات الرش تحت إشراف مرشد أو مهندس زراعي مختص، مطالبا الجهات المعنية والمزارعين والمستهلكين بضرورة الالتزام بالإرشادات العلمية، وضبط الأسواق، لضمان استخدام المبيدات بطريقة آمنة ومسؤولة، حماية لصحة الإنسان والبيئة، ولضمان إنتاج زراعي آمن ومستدام على المدى الطويل.
وأضاف؛ تشدد التوصيات الزراعية على أهمية مراقبة السوق السوداء، وضبط أسعار وتداول المبيدات للحد من وصول المبيدات غير المضمونة أو المحرمة إلى المزارعين، ما يسهم في تقليل المخاطر الصحية والبيئية.
كما تؤكد الحاجة إلى توفير مكاتب إرشاد زراعي تكون مرجعًا للمزارعين، لتقديم التوجيه العلمي حول الجرعات وفترات الأمان وأساليب الاستخدام الآمن للمبيدات، وضمان تطبيق أفضل الممارسات الزراعية.
بالإضافة إلى ذلك، يعد الالتزام بجني المحصول بعد انقضاء فترة الأمان المحددة عقب رش المبيد خطوة أساسية لحماية المستهلك وضمان سلامة المنتجات الزراعية، وتقليل انتقال بقايا المبيدات إلى السلسلة الغذائية وتأثيرها السلبي على صحة الإنسان.
– خطر الغذاء اليومي
في ظل النقاش المتصاعد حول مفهوم “الغذاء الصحي” وعلاقته بالوقاية من الأمراض، يثار تساؤل حول جودة ما يستهلكه المواطن في الجنوب، حيث يعتمد على الإنتاج الزراعي والحيواني المحلي وسط ضعف الرقابة وغياب الوعي بالممارسات السليمة.
وأوضح عبدالله علي الشوفير، ماجستير علوم البيئة وعضو هيئة التدريس بجامعة وادي الشاطئ، أن السعي نحو الغذاء الصحي يهدف إلى حياة صحية والوقاية من الأمراض، مشيرًا إلى أن الخطر الأكبر يكمن في الثقة المطلقة بالمنتجات المحلية دون إخضاعها لأي رقابة فعّالة.
وأشار الشوفير إلى أن الاستخدام المفرط للأسمدة والمبيدات والمواد الكيميائية في الزراعة والإنتاج الحيواني يؤدي إلى تلوث النظام الغذائي، ويؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على صحة الإنسان الذي يقع في قمة السلسلة الغذائية.
ورغم تفضيل المواطنين للمنتجات المحلية لاعتقادهم في جودتها، فإن الممارسات الزراعية الخاطئة تُعد الحلقة المفقودة التي تربط الغذاء اليومي بالمخاطر الصحية التراكمية على المدى الطويل، ما يستدعي تعزيز الرقابة والإرشاد الزراعي والتوعية المستمرة.
وفي شرح آليات الخطر المباشر، بيّن الشوفير أن الإفراط في استخدام الأسمدة النيتروجينية يزيد محتوى النترات في المحاصيل، خصوصا الفواكه، ما يمثل تهديدا صحيا مباشرا. كما حذر من رش المبيدات دون الالتزام بفترات الأمان المدونة على العبوات، التي غالبا ما يُغفلها المزارع، ما يؤدي إلى انتقال المبيد إلى المستهلك.
وتزداد المخاطر عند استخدام تراكيز أعلى من الموصى بها أو خلط أكثر من نوع، ما يزيد السمية بطرق لا يمكن للشركات المصنعة توقعها.
أما الخطر غير المباشر، فيرتبط بالحيوانات التي تتغذى على أعلاف أو نباتات عولجت بكثافة بالأسمدة أو المبيدات، حيث تتراكم المواد الكيميائية في أنسجتها، ثم تنتقل إلى الإنسان عند استهلاك اللحوم، وهي عملية تُعرف علميا بـ “التكبير الحيوي” أي زيادة تركيز السموم صعودًا في السلسلة الغذائية وصولًا إلى الإنسان.
وأشار الشوفير إلى أن المنتجات المستوردة تخضع جزئيا للرقابة والتحاليل، بينما تستهلك المنتجات المحلية على أنها آمنة تلقائيا رغم غياب الرقابة الفعلية.
وأضاف أن ممارسات الذبح والتجهيز في بعض المسالخ المحلية غير صحية، بينما تحفظ المنتجات المستوردة وفق معايير التبريد والتجميد السليم.
وختم بالتأكيد أن التلوث بالأسمدة والمبيدات والمواد المسرطنة يهدد الصحة العامة، وقد يؤدي على المدى الطويل إلى السرطان واضطرابات الغدد الصماء ومشاكل الجهاز العصبي، داعيا إلى رفع مستوى الوعي الغذائي وتفعيل الرقابة لحماية الإنسان. (الأنباء الليبية) س خ.
-تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
-متابعة: عزيزة محمد


