بنغازي 28 ديسمبر 2025 (الأنباء الليبية) – يُعد ملف الهجرة غير الشرعية أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في ليبيا، وسط تداخل أبعاده الإنسانية والأمنية والاقتصادية. فبينما ينصبّ اهتمام الأمم المتحدة والدول الأوروبية على المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط نحو السواحل الأوروبية، يغيب عن المشهد واقع أكثر عمقًا وخطورة يتمثل في وجود ملايين المهاجرين غير النظاميين داخل الأراضي الليبية منذ عقود.
ووفق تقديرات شبه رسمية، تستقبل ليبيا ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين مهاجر غير شرعي، معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، هؤلاء لا يعيشون في مخيمات مؤقتة بانتظار الرحيل بل استقروا داخل المدن والقرى الليبية، حيث يعملون في قطاعات متعددة مثل البناء والزراعة والخدمات، ويتقاسمون مع الليبيين المأكل والمشرب وظروف المعيشة اليومية.
ورغم هذا الوجود الكبير، لا يحظى هؤلاء المهاجرون باهتمام دولي يتناسب مع حجم الظاهرة، إذ تركز المقاربات الدولية على الهجرة من زاوية أمن الحدود الأوروبية، وليس من زاوية تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية داخل ليبيا نفسها.
وتؤكد المعطيات على الأرض أن هذا التجاهل يفرض أعباء إضافية على البنية التحتية والخدمات العامة في بلد يعاني أصلًا من أزمات سياسية واقتصادية متراكمة حيث يواصل المهاجرون تحويل جزء من دخولهم إلى عائلاتهم في القرى والمدن الأفريقية، حوالي 7 مليار دولار سنويا، ما يجعل ليبيا حلقة أساسية في شبكة اقتصادية غير رسمية تمتد عبر القارة، إلا أن غياب سياسات واضحة لتنظيم هذا الوجود، إلى جانب ضعف الدعم الدولي، يترك الملف مفتوحًا على احتمالات إنسانية وأمنية معقدة.
ويرى مراقبون أن معالجة أزمة الهجرة في ليبيا تتطلب مقاربة شاملة، لا تقتصر على منع القوارب في عرض البحر، بل تشمل دعم المجتمعات المحلية، وتنظيم سوق العمل، وتحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته تجاه دولة تحولت إلى بلد عبور واستقرار في آنٍ واحد.
ويتكشف من خلال المتابعة الميدانية، بُعدٍ إنساني خطير آخر في ملف الهجرة غير النظامية، يتمثل في أوضاع أبناء المهاجرين الذين وُلد كثير منهم داخل ليبيا، بعضهم دون تسجيل رسمي أو نسب قانوني.
ويعيش هؤلاء الأطفال في فراغ كامل من الحماية، حيث يُشاهد رُضّع يرافقون نساء يُستغل وجودهم في أعمال التسول، في ظل غياب أي رقابة اجتماعية أو قانونية، ما يفتح الباب أمام شبكات استغلال منظمة.
ومع تقدّم العمر، ينخرط الأطفال في أنشطة هامشية لتأمين الحد الأدنى من العيش؛ فبين سن الرابعة والخامسة يعمل بعضهم في بيع المياه والمناديل الورقية في الشوارع، بينما يتجه الأكبر سنًا إلى الأسواق الشعبية.
ويحذّر خبراء محليون من أن فئة المراهقين، بين 15 و18 عامًا، ستصبح أكثر عرضة للاستغلال في أنشطة إجرامية، من بينها ترويج المخدرات أو التجنيد من قبل جماعات مسلحة، في ظل غياب التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.
ويؤكد مختصون أن استمرار هذا الوضع ينذر بتكوين جيل كامل خارج أي إطار قانوني أو إنساني، ما يشكل تهديدًا طويل الأمد للأمن المجتمعي في ليبيا والمنطقة بأسرها..
إن معالجة أزمة الهجرة غير النظامية في ليبيا لا يمكن أن تقوم على المقاربات الأمنية وحدها، بل تتطلب اعترافًا رسميًا بأن البلاد تحولت إلى فضاء استقرار لملايين المهاجرين، وليس مجرد نقطة عبور.
ومن هنا يكمن الحل في تنظيم الوجود القائم بدل تركه في الهامش، عبر تسجيل مدني للأطفال المولودين داخل ليبيا، وفصل البعد الإنساني عن المعالجة الأمنية، وتنظيم سوق العمل بتصاريح مؤقتة تقلص اقتصاد الظل وتحد من الاستغلالـ إلى جانب توجيه الجهد الأمني، دون تأخير، نحو شبكات الاتجار بالبشر وتشغيل الأطفال، لا نحو المهاجرين أنفسهم، وإعادة تعريف الشراكة مع أوروبا على أساس تقاسم المسؤولية ودعم المناطق الليبية المتضررة.
وفي سياق المسؤولية الدولية، يتحمل الجانب الأوروبي مسؤولية أخلاقية مباشرة في تفاقم أزمة الهجرة غير النظامية، حيث نرصد أن السياسات الأوروبية ما زالت تتعامل مع الظاهرة الإنسانية كملف أمني وحدودي، متجاهلة جذورها العميقة في دول المصدر.
وبالفعل فإن استمرار استغلال موارد القارة الأفريقية، ولا سيما المعادن والمواد الخام، دون نقل حقيقي للتكنولوجيا أو إقامة مشاريع إنتاجية مستدامة، ساهم بشكل كبير في إضعاف الاقتصادات المحلية ودفع ملايين الشباب إلى الهجرة.
في المحصلة، فإن معالجة أزمة الهجرة غير النظامية لا تمر عبر عسكرة البحر المتوسط أو تحميل دول العبور، وفي مقدمتها ليبيا، عبئًا لم يعد مقبولًا سياسيًا ولا أخلاقيًا.
فالحل الجذري يبدأ من اعتراف أوروبي بمسؤوليته التاريخية والمعاصرة في استنزاف موارد القارة الأفريقية، وتبني سياسات تُفضي إلى استثمارات حقيقية في الزراعة والصناعة والصيد البحري، ونقل فعلي للتكنولوجيا، وبناء مشاريع تنموية محلية تخلق فرص عمل وتوطّن الساعين إلى الهجرة في مدنهم وقراهم.
إلى ذلك فإن أي تعاون مع ليبيا يجب أن يقوم على تقاسم عادل للمسؤوليات، وتحسين أوضاع المهاجرين داخلها، لا تحويلها إلى حارس حدود أو منطقة احتجاز مفتوحة، فتجاهل هذا المسار لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال أكثر خطورة، تهدد ليس ليبيا وحدها، بل استقرار جنوب المتوسط بأكمله. (الأنباء الليبية) ع د