بنغازي 27 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) – لم يعد يوم ” بلاك فرايدي” مجرد مناسبة لشراء سلعة بسعر منخفض، بل أصبح ظاهرة اقتصادية واجتماعية عالمية تمتد من أمريكا إلى أوروبا، وتُعاد صياغتها في العالم العربي وليبيا تحت اسم “الجمعة البيضاء”، وبين الحقيقة والتسويق، تتداخل المصالح التجارية مع سلوك المستهلك، ليظهر اليوم كما لو أن العالم في سباق محموم لشراء أي شيء، المهم أن عليه خصم.
وفي هذا السياق، قال رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور حلمي القماطي لصحيفة الأنباء الليبية :”بين الحقيقة والتسويق تتداخل المصالح التجارية مع سلوك المستهلك، لينتج يوم يبدو فيه العالم وكأنه في سباق محموم لشراء أي شيء… المهم أن عليه خصم.”
أصل الظاهرة الاقتصادية
يشرح القماطي أن فكرة بلاك فرايدي بدأت في الولايات المتحدة بعد عيد الشكر، حيث كانت الشركات تبحث عن وسيلة لتحريك السوق قبل موسم الأعياد، فابتكرت يومًا استثنائيًا للتخفيضات الضخمة بهدف تنظيف المخازن من موديلات العام وزيادة المبيعات بسرعة، حتى بهامش ربح منخفض، وجذب الزبائن عبر عروض “تكسير الأسعار” التي قد تدفعهم لاحقًا لشراء منتجات أخرى. ومع الوقت، أصبح اليوم تقليدًا سنويًا يشبه عيدًا استهلاكيًا مخططًا له مسبقًا.
وأضاف القماطي: “قد تبدو خصومات تصل إلى 90% خيالية، لكنها لها تفسير اقتصادي واضح، فالهامش الربحي على بعض السلع كبير، وبعض المنتجات على وشك انتهاء دورة حياتها، لذلك تفضل الشركات بيعها بأي سعر،أما الشركات الكبرى مثل أمازون وولمارت، فهي تمتلك قوة شرائية تسمح لها بخفض السعر الحقيقي للمنتج.
وأضاف أن جزءًا من التخفيضات يندرج ضمن عروض خاصة تُباع بأسعار منخفضة جدًا لجذب الزبائن إلى المتجر، وهي سلع تُباع أحيانًا بخسارة لجذب المستهلكين، ثم تُعوّض هذه الخسارة من بيع منتجات أخرى. وبذلك يكون التخفيض الحقيقي موجودًا، لكنه محدود وموجّه وليس شاملًا كما يبدو.
سلوك المستهلك والطوابير الطويلة
يشير الخبير إلى أن علم الاقتصاد السلوكي يفسر ظاهرة الطوابير الطويلة أمام المحال، فالخوف من ضياع الفرصة وتأثير الحشد يلعبان دورًا كبيرًا، فالمستهلك يركز على نسبة الخصم العالية أكثر من حاجته الفعلية للسلعة، ويصبح يوم بلاك فرايدي جزءًا من الثقافة الاستهلاكية في بعض البلدان.
كيف وصلت الظاهرة إلى ليبيا؟
قال القماطي: “نقلنا الشكل وتركنا الجوهر، ففي العالم العربي وخاصة ليبيا تحوّلت الجمعة البيضاء إلى حملات إعلانية ضخمة وعروض غير واقعية، ومنافسة تعتمد على الشعارات أكثر من الأسعار الحقيقية.” موضحا أن النتيجة سوق مليء بالخصومات الوهمية وغياب شبه كامل للرقابة على الأسعار.
و أشار القماطي أن بعض الممارسات يمكن وصفها بالمضللة، مثل رفع الأسعار قبل أسبوع ثم الإعلان عن خصم 50%، أو مقارنة السعر بمنتج غير مطابق للمواصفات، أو التسويق العاطفي بدل المعلومات الدقيقة، مستغلة ضعف حماية المستهلك. وأكد الفرق بين بلاك فرايدي في أمريكا وليبيا، حيث تخشى الشركات الأمريكية دعاوى قضائية بملايين الدولارات، ولا يُسمح بالإعلان عن خصم إلا إذا كان السعر الحقيقي مثبتًا لفترة طويلة قبل التخفيض.
الحاجة إلى ضوابط واضحة في ليبيا
شدد القماطي على ضرورة وجود إطار ينظم الظاهرة دون منعها، من خلال إلزام المتاجر بعرض السعر قبل وبعد الخصم، منع الأسعار المضخمة المستخدمة لصناعة تخفيض وهمي، تفعيل عقوبات للمخالفين، إنشاء منصة لمراقبة الأسعار الفعلية، وتثقيف المستهلك لتجنب الوقوع فريسة الإغراء اللحظي.
وأضاف: “الجمعة البيضاء ليست مجرد يوم تخفيضات، بل أداة اقتصادية لتحريك السوق وتسويق سلوك المستهلك، في الأسواق التي تتمتع بالمنافسة والرقابة الصارمة نجد خصومات حقيقية، أما في ليبيا غالبًا ما يكون الأمر استنساخًا للّافتة لا للمضمون، فتتحول الجمعة البيضاء إلى مهرجان أسعار وهمية. الظاهرة ليست سيئة بطبيعتها، لكنها تحتاج إلى قواعد شفافية وضبط حتى لا تتحول من فرصة للمستهلك إلى وسيلة للمتاجر لتمرير أوهام تجارية.” (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: فاطمة الورفلي