بنغازي 24 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) ـ في عالمٍ تهيمن عليه الضوضاء، كان الصمت الذي عاش فيه الشاب ياسين الفيتوري ليس ضعفًا، بل لغةً مختلفة تحمل في طياتها ذكاءً استثنائيًا وذاكرةً خارقة وقدرة مذهلة على الإدراك.
بين اضطراب طيف التوحّد عالي الأداء، وتقلبات نفسية قاسية، وفقدان الأب الذي شكل صدمة عميقة في حياته، استطاع ياسين أن يشقّ طريقه الخاص، وأن يثبت أن الاختلاف ليس عائقًا، بل قد يكون بداية لعبقرية لم تُكتشف بعد.
تروي والدته عائشة بن سليم، أن ياسين كان طفلًا ذكيًا ومتفاعلًا في سنواته الأولى، ينطق الكلمات ويلهو بالمكعبات بتركيز وذكاء لافت، غير أن الأمور بدأت تتغيّر بعد عمر السنتين، حيث ظهرت عليه حالات بكاء متكرر ونوبات عصبية واضحة، وميل مفاجئ إلى الصمت، فاكتفى بالإشارة بدل الكلام، وكأن الكلمات غادرت عالمه دون سابق إنذار.
وتضيف أن رحلة البحث عن تفسير لما يحدث كانت طويلة ومربكة؛ حيث تنقّلت بين أطباء وأخصائيين، وكلّ منهم قدّم تشخيصًا مختلفًا، إلى أن جاءت الصدمة الكبرى وهي إصابة ياسين باضطراب طيف التوحّد عالي الأداء (متلازمة أسبرجر). تصف الأم وقع الخبر بالقاسي، خاصة أنها لم تكن على دراية بهذا النوع من الاضطرابات، لكنها سرعان ما بدأت تتعرّف على تفاصيل حالته التي تبيّن أنها خاصة ومتميزة.
فبحسب حديثها، يمتلك ياسين قدرات عقلية وذاكرة قوية، وموهبة واضحة في الرسم واللغة العربية، إلا أنه يعاني من حساسية مفرطة تجاه الضوء والضوضاء والازدحام، ما يجعله يفضّل الأماكن الهادئة ويشعر بالقلق والتوتر في التجمعات. ورغم ذلك، فإنه محب للناس، ويتمنى تكوين صداقات مع الأشخاص الصادقين والطيبين.
وتستعيد الأم واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياتها، حين ضلّت طريقها مع ابنها في شوارع تونس وهي تبحث عن مكان إقامتهم دون هاتف، وسط المطر والظلام. في تلك اللحظة، كان ياسين – الذي نادرًا ما يتحدث – هو من أمسك زمام الأمور، وقال لها بثقة، “أماه… لا تخافي، اتبعيني”
ثم بدأ يرشدها من خلال علامات الطريق التي حفظها في ذاكرته، حتى أعادها إلى المكان الصحيح. تقول الأم إن ابنها، الذي اعتادت صمته، قادها يومها كما يقود الكبار، وكانت تلك اللحظة حاسمة في إيمانها بذكائه الاستثنائي.
لكن الألم الأكبر جاء برحيل والده، الذي كان متعلقًا به بشدة، الأمر الذي تسبب في انتكاسة نفسية حادة لياسين، حيث عاد إلى الصمت، واضطرب نومه، وأصيب بقلق وحزن عميقين. ورغم متابعة الأطباء والأدوية المهدئة، وجدت والدته أن الحل لا يكمن في الدواء فقط، بل في الفهم والاحتواء والدعم النفسي الحقيقي.
ومع تقدّمه في العمر، واجه قضية أخرى، وهي رفض بعض المراكز استقباله بحجة أنه أصبح “كبيرًا في السن”، رغم أن احتياجاته النفسية والتعليمية ما زالت تتطلب عناية خاصة.
واليوم، يقف ياسين كشاب مميز، صاحب موهبة فنية لافتة، ومحبة كبيرة للرسم واللغة العربية، وطموح لحفظ كتاب الله وتطوير قدراته، في انتظار يدٍ تمتد لدعمه واحتضان موهبته.
واليوم، توجه والدته من خلال هذه القصة نداءً للجهات المختصة والمؤسسات المعنية بضرورة توفير بيئة حاضنة وداعمة لأمثال ياسين، لأن الموهبة الحقيقية لا يجب أن تُترك لتضيع في زحام الإهمال.
وتختتم قولها، “ابني لم يكن ضعيفًا… كان فقط مختلفًا، والاختلاف حين يُفهم يتحوّل إلى قوة”. (الأنباء الليبية ـ بنغازي) ه ع
متابعة: بشرى الخفيفي
تصوير: علي الصنعاني