بنغازي 18 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) – متى تحولت مرحلة الطفولة إلى مرحلة تعذيب لا ترفيه؟ ومتى أصبح البيت، الذي يفترض أن يكون ملاذًا للطمأنينة، مصدر خوف يهدد براءة الأطفال؟
تزايدت في السنوات الأخيرة صور العنف والإيذاء الموجّه للأطفال، الذين يفترض أن ينشأوا في بيئة دافئة تشبعهم بالحب والرعاية، لا أن تتركهم فريسة للرعب والاستنزاف النفسي.
وتظل الأسئلة مفتوحة حول أسباب هذه الظاهرة: هل تعود لاضطرابات نفسية يعاني منها الجناة؟ أم لجهلهم بالعوامل النفسية المؤثرة على الطفل؟ أم لغياب الرقابة الأسرية والاجتماعية؟
صدمة مقتل سبعة أطفال… والجاني الأب
الحادثة التي زلزلت الرأي العام مؤخرًا كانت مقتل سبعة أطفال ووالدهم داخل سيارة، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأنها عملية اعتداء خارجي أو جريمة منظمة. لكن الصدمة الأكبر كانت حين كشفت التحقيقات الأولية أن الأب نفسه هو الجاني، قبل أن يُنهي حياته. هذا ما أكدته الأجهزة المختصة المكلفة بالتحقيق، ليبقى السؤال: ما الذي يدفع أبًا لإنهاء حياة أطفاله السبعة؟
طفلة تتعرض للتعذيب… وقضايا تتكرر
وما إن هدأت صدمة هذه الجريمة، حتى ظهرت واقعة أخرى بمدينة درنة، حيث أفادت إحدى المدارس بتعرض طفلة للتعذيب الجسدي على يد أحد الأقارب. وهنا يبرز سؤال مؤلم:
هل هذه الطفلة هي الوحيدة؟ أم أن هناك أطفالًا آخرين يواجهون الألم نفسه بصمت خلف الجدران؟
فقد سبق تسجيل حالات عدة، منها الضرب المميت، والإهمال الجسيم، وغير ذلك من صور العنف المتكرر داخل نطاق الأسرة.
ظاهرة لا يمكن تجاهلها
الواقع يكشف أننا أمام ظاهرة مقلقة، لا مجرد حالات فردية. فهي نتاج مزيج من ضعف الرقابة الأسرية والاجتماعية، وجهل الأهل بالاحتياجات النفسية للطفل، إضافة إلى اضطرابات سلوكية قد يعاني منها بعض الجناة.
وتنص القوانين الليبية بوضوح على تجريم كل أشكال العنف أو الإهمال ضد الأطفال، وعلى ضرورة فرض عقوبات رادعة لضمان سلامتهم، ومن بينها قانون رقم (5) لسنة 1997 بشأن حماية الطفولة، واتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989.
تأثيرات نفسية لا تزول بسهولة
الطبيبة النفسية تهاني حورية أوضحت التأثيرات العميقة للعنف على الطفل بقولها:”للعنف الجسدي ضد الأطفال آثار نفسية عميقة وشديدة تشمل اضطراب ما بعد الصدمة، القلق، الاكتئاب، والعزلة.
ومع الوقت يصبح الطفل عنيفًا وغير مبالٍ. تدهور حالته النفسية يؤدي إلى أعراض عضوية كالصداع وآلام البطن، وقد يصل إلى التفكير بالانتحار. كما تسبب ميولهم إلى تعاطي المخدرات.”
القانون واضح… والتصدي يحتاج تظافر الجهود
من جانبها، شددت المحامية فريحة الجيلاني على أهمية التعاطي الجدي مع هذه الظاهرة، مؤكدة:”في عالم يتوق إلى السلام والأمن، يبقى العنف ضد الأطفال جرحًا عميقًا يرافق المجتمعات. لدينا العديد من القوانين التي تعنى بالطفولة، ومنها القانون رقم 5 لسنة 1997 الذي يبدأ بحماية الطفل من مرحلة ما قبل الزواج عبر الفحوصات الطبية للزوجين، وصولًا إلى حمايته من جميع أشكال العنف. كما توجد قوانين أخرى مثل قانون العقوبات والقانون رقم 17 لسنة 1992 بشأن أحوال القاصرين.”
وأضافت أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات، وأن التوعية المسبقة خير من العلاج المتأخر.
تأثيرات اجتماعية تهدد مستقبل المجتمع
الأخصائية التربوية إلهام دبدوب أشارت إلى أن آثار العنف لا تتوقف عند الطفل فقط بل تمتد إلى المجتمع كله، قائلة: “العنف ضد الأطفال يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس والشعور بالدونية، ويُظهر نفسه في سلوكيات مثل الكذب أو الهروب من المدرسة أو المنزل، وتدني المستوى الدراسي. كما يسبب اضطرابات مستمرة، وينعكس على المجتمع بزيادة معدل الجرائم وتكرار أفعال العنف.”
خاتمة… حماية الأطفال مسؤولية الجميع
يبقى العنف ضد الأطفال جريمة يعاقب عليها القانون بشكل مشدد، وتبقى حماية الطفولة مسؤولية قانونية واجتماعية مشتركة. إن توعية الأسر، وتعزيز الرقابة الاجتماعية، وتطبيق القانون بحزم، هي خطوات ضرورية لضمان أن يعيش الأطفال في بيئة آمنة مليئة بالرعاية والحماية، فالطفولة ليست خيارًا… بل حقًا يكفله القانون والإنسانية.(الأنباء الليبية – بنغازي)
إعداد: ردينة العبيدي