بنغازي 02 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) – في إحدى المدن الليبية التي كانت تعيش تحت وطأة الحرب، كان شاب يدعى أحمد المجبري يحاول أن يجد معنى لما يدور حوله.
أصوات الانفجارات كانت تعلو، والمستشفيات تكتظ بالمصابين، غير أن شغفه بالهندسة لم يخفت، وبينما كان زملاؤه يفرون من واقع قاس، اختار هو أن يواجهه بطريقته الخاصة: العلم.
قرر المجبري أن يسخّر معرفته الهندسية لمساعدة من فقدوا أطرافهم بسبب النزاع، فبدأ بتجربة بسيطة داخل مختبر جامعي متواضع، باحثا عن طريقة لتحويل إشارات الدماغ إلى أوامر تتحكم في يد صناعية.
لم يكن يدرك حينها أن تلك التجربة ستكون الشرارة الأولى في رحلة بحثه نحو حلم أكبر: بناء دماغ صناعي -وهو نموذج تقني يحاكي عمل الدماغ البشري من حيث القدرة على التفكير والتعلم والتكيف مع المعلومات.
من تلك اللحظة، ولدت فكرة الجمع بين الهندسة وعلوم الأعصاب، فكرة بدت وقتها أقرب إلى الخيال منها إلى التطبيق.
لكن أحمد المجبري لم يكن يرى حدودا بين الحلم والعلم. بعد تخرجه، حمل مشروعه الصغير وغادر ليبيا إلى ألمانيا، حيث التحق بجامعة ميونخ التقنية لدراسة الماجستير في هندسة الأعصاب، التخصص الذي جمع ما بين شغفه بالتكنولوجيا وفضوله لمعرفة أسرار الدماغ البشري.
في أروقة الجامعة، وأمام لوح أبيض مليء بالمعادلات والرسومات العصبية المعقدة، بدأ المجبري يخطو بثقة نحو هدفه الجديد: تصميم نظام اصطناعي قادر على التفكير، لا بمعناه التقليدي، بل بطريقة تحاكي آلية الدماغ البشري في معالجة المعلومات وتوليد القرارات.
يقول مبتسما: “أركز على الهندسة العكسية للدماغ البيولوجي، حتى نتمكن في المستقبل من استبدال الوظائف العصبية المتضررة لدى الأشخاص ذوي الإعاقات.”
الهندسة العكسية — وهو مصطلح يشير إلى تحليل الأنظمة البيولوجية بهدف فهم بنيتها الداخلية لإعادة تصميمها — هي جوهر مشروعه الحالي.
ما يسعى إليه المجبري وفريقه ليس مجرد تطوير ذكاءٍ اصطناعي جديد، بل إعادة تعريف مفهوم الذكاء ذاته.
فهم يريدون بناء دماغ روبوتي يمكنه تعديل اتصالاته الداخلية وفق الهدف الذي يسعى لتحقيقه، كما يفعل الدماغ الحقيقي تماما.
لكن الطريق طويل، كما يقر الباحث الشاب؛ “ما نفعله اليوم هو الخطوة الأولى فقط. نحن بحاجة إلى فهمٍ أعمق لكيفية تغير الشبكات العصبية باستمرار من أجل تحقيق مهام معينة، وكيفية تحويل هذه العمليات إلى نموذج رياضي يمكن تطبيقه في آلة.”
هذه المعادلات المرسومة على اللوح خلفه ليست مجرد رموز، بل محاولات أولى لترجمة ما لا يرى — الفكر — إلى لغة يمكن للحواسيب فهمها.
قد يبدو الحديث عن “دماغ روبوتي” اليوم وكأنه خيال علمي، لكن بالنسبة لأحمد المجبري، هو وعد بمستقبلٍ تتلاقى فيه العلوم والتكنولوجيا لخدمة الإنسان، وربما، ذات يوم، لشفائه من عجز طالما اعتبر مستحيلا تجاوزه. (الأنباء الليبية) س خ.