بنغازي 16 أكتوبر 2025 (الأنباء الليبية)_ رغم مرور أكثر من أربعة عشر عامًا على تجميد الأصول الليبية في الخارج، لا تزال هذه الأموال تمثل واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في المشهد الاقتصادي الليبي، لما تحمله من أهمية سيادية تعود بالنفع على أجيال من الليبيين، وعلى الرغم من القرارات الأممية التي هدفت لحمايتها من العبث أو التبديد، فإن الانقسام السياسي والبيروقراطي ظلّ عائقًا أمام استثمارها بالشكل الأمثل.
وفي ظل التطورات الأخيرة واعتماد مجلس الأمن القرار رقم (2769) لسنة 2025، الذي يتيح للمؤسسة الليبية للاستثمار إدارة واستثمار الأصول المجمدة ضمن شروط محددة، تتجدد التساؤلات حول آليات التنفيذ، ومصير هذه الأرصدة في ظل الانقسام القائم بين المؤسسات.
في هذا الإطار، أجرت صحيفة “الأنباء الليبية” لقاءً حصريًا مع الدكتور أشرف بدر، رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار الشرعية المنبثقة عن مجلس النواب، الذي كشف عن تفاصيل الموقف الرسمي للمؤسسة، والجهود المبذولة لحماية هذه الأصول، بالإضافة إلى خطط الإصلاح المؤسسي والشفافية في إدارتها.
حماية الأموال الليبية من العبث
في مستهل حديثه، أوضح الدكتور بدر أن البيان الصادر عن المؤسسة جاء تأكيدًا لما ورد في بيان لجنة متابعة الأصول المجمدة التي عقدت اجتماعاتها بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، قائلًا: ” نحن معنيون بجزء كبير مما ورد في البيان، فالمؤسسة الليبية للاستثمار تمتلك نصيبًا من هذه الأصول سواء بصورة مباشرة أو من خلال الشركات والمحافظ والصناديق التابعة لها، وكان من الضروري أن نعبّر عن موقفنا بشكل واضح حتى لا تقع هذه الأموال في يد أي جسم غير شرعي.”
وأضاف أن المؤسسة تواجه واقعًا مؤسسيًا منقسمًا منذ سنوات، الأمر الذي خلق تحديًا أمام تحديد الجهة الشرعية لإدارة الأصول.
“لدينا جسم منبثق عن السلطة التشريعية، وجسم آخر تابع لحكومة منتهية الولاية يدير الأصول بأمر واقع وبدون وجه حق. هذا الانقسام جعل المؤسسات المالية الدولية تتحفظ على التعامل، ونحن نرفض أن تُدار هذه الأموال من قبل أي جهة غير شرعية.”
سوء فهم القرار الأممي (2769) عطّل التنفيذ
وتحدث رئيس المؤسسة عن القرار الأممي رقم (2769) لسنة 2025، الذي أتاح للمؤسسة الليبية للاستثمار إدارة واستثمار الأصول المجمدة ضمن ضوابط محددة، إلا أن التطبيق العملي واجه عراقيل عدة.
“القرار تضمّن شروطًا واضحة، منها أن تكون الاستثمارات منخفضة المخاطر وتخضع لإشراف لجنة دولية، وأن تدار داخل الدول التي توجد بها البنوك المحتفظة بالأصول. غير أن بعض المؤسسات المالية الدولية فسّرت هذه الشروط بشكل مقيّد، ما جعل القرار وكأنه لم يُنفّذ بعد.”
وأشار بدر إلى أن التأخر في تنفيذ القرار تسبب في استمرار الضرر المالي الواقع على الشعب الليبي، مؤكدًا أن المؤسسة طالبت مجلس الأمن بإصدار توجيهات واضحة تحدد الإجراءات التنفيذية وتغلق الباب أمام أي تأويلات قانونية.
تجاوزات مالية ومتابعة قانونية
وفي ردّه على سؤال حول وجود خروقات أو تجاوزات في إدارة الأموال الليبية المجمدة، أوضح الدكتور بدر أن المؤسسة رصدت بالفعل حالات متعددة، أبرزها في بلجيكا.
“تم رفع قضايا قانونية واتخاذ إجراءات ضد أطراف متورطة، وأُصدرت بطاقات حمراء ضد بعض الشخصيات، غير أن هذه الإجراءات ألغيت لاحقًا لأسباب غير معلومة. ومع ذلك، نحن مستمرون في المتابعة القانونية لضمان حماية أموال الدولة الليبية من أي استخدام غير مشروع.”
وبيّن أن المؤسسة تتواصل بشكل مباشر مع الجهات الدولية والدول التي توجد بها هذه الأصول، للتأكيد على أن أي تعامل أو استثمار يجب أن يكون من خلال الجهة الشرعية المعترف بها قانونًا.
إصلاح مؤسسي واستراتيجية وطنية
وحول الخطط المستقبلية للمؤسسة، أكد بدر أن المرحلة الحالية تشهد إعادة هيكلة شاملة للمؤسسة الليبية للاستثمار بهدف إصلاح بنيتها الإدارية والفنية.
“استراتيجيتنا تستند إلى هدفين رئيسيين: الأول هو الإصلاح المؤسسي وإعادة تنظيم هيكل المؤسسة لمعالجة الخلل الإداري، والثاني هو تفعيل دور المؤسسة في دعم الاقتصاد الوطني من خلال مشاريع استثمارية حقيقية تعود بالنفع المباشر على المواطن الليبي.”
وأضاف أن المؤسسة بدأت بالفعل في إبرام شراكات استراتيجية ومذكرات تفاهم مع مستثمرين داخل ليبيا وخارجها، لتنفيذ مشاريع اقتصادية كبرى تساهم في خلق فرص عمل وتعزيز التنمية.
وأكد رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار أن الشفافية تمثل حجر الزاوية في عمل المؤسسة خلال المرحلة المقبلة، مبينًا أن هناك برنامجًا إعلاميًا متكاملاً سيُعلن قريبًا لتوضيح تفاصيل الأصول الليبية في الخارج.
“نريد أن يكون المواطن الليبي على دراية بما تملكه بلاده من استثمارات وأصول في الخارج، وكيف يمكن أن يستفيد منها. ومن بين الخطوات الجديدة، نسعى لتقديم مزايا للمواطنين مثل تخفيضات في الفنادق المملوكة للدولة الليبية خارج البلاد، وهي خطوة رمزية لكنها تعبّر عن حق الليبي في معرفة واستثمار ثرواته.”
وفي ختام اللقاء، وجّه الدكتور أشرف بدر رسالة إلى الشعب الليبي قائلًا:”لقد عهدنا أنفسنا أمام الله والوطن أن نكون أمناء على هذه الأصول ونحافظ عليها من أي عبث أو استغلال. نطلب من المواطنين أن يثقوا بأننا نعمل بمسؤولية وشفافية، وبدعم كامل من مجلس النواب والقيادة العامة التي وفّرت لنا بيئة آمنة لحصر استثماراتنا وحمايتها في كل المناطق الخاضعة لسلطة الدولة.” (الأنباء الليبية) ك و
أحلام الجبالي