-حلم وطموح الإنسان خليفة حفتر لبلاده ليبيا
-العلاقات الدبلوماسية الدولية.. بناء الجيش.. الإعلام.. الدولة الديمقراطية المدنية.. إعمار ليبيا بعد هزيمة الإرهاب
حوار: الكاتب الصحفى المصرى أحمد إبراهيم عامر
بنغازي 10 سبتمبر 2025 (الأنباء الليبية)- التقيت به للمرة الأولى فى مارس 2016 لإجراء حوار صحفى لمجلة الأهرام العربى، وكان الوقت المقرر للمقابلة عشرين دقيقة، لكن الحوار استمر ساعتين متواصلتين، أدركت خلالهما أننى أحاور ضابطًا محنكًا، يملك من الثقافة والوعى ما يشد الانتباه، ومن الكاريزما ما يثير الإعجاب، ومن الصراحة ما يدل على الثقة بالنفس. كان سريع البديهة حاضر الذهن، تكشف إجاباته اعتزازًا بما أنجز لوطنه، وروحًا وطنية تسكن أعماقه، وطموحًا بلا حدود، بأن تصبح ليبيا نموذجًا للنهضة والتقدم والسلام. أدركت أثناء الحوار أننى لست أمام شخصية عسكرية وحسب، بل قائد من طراز فريد، صقلته التجارب والمحن عبر عقود، لتصنع منه نموذجًا لرجل المهام الصعبة والتحديات الكبرى. إنه المحارب الصلب أو جنرال النهاية أو حفتر المختار كما وصفته فى عناوين مقالاتي. إنه القائد العام للجيش الوطنى الليبى المشير خليفة أبوالقاسم حفتر.
وتوالت زياراتي إلى ليبيا، خاصة مدينة بنغازي، كمراسل حربي لمؤسسة الأهرام الصحفية المصرية، وكنت حاضرًا هناك مع الضباط والجنود فى جميع محاور القتال أثناء معركة الكرامة ضد الإرهاب التى قادها حفتر، ووثقت انتصارات الجيش الوطنى الليبي. وعلى مدار السنين تشرفت أننى الصحفى الوحيد عالميًا الذى أجرى أكثر من تسعة حوارات صحفية معه، بجانب عشرات اللقاءات خارج نطاق عملى الصحفى تعرفت خلالها عن قرب على شخصية خليفة حفتر الإنسان.
صدر كتابى باللغة العربية «يوميات مراسل ــ 700 يوم فى بنغازى» فى أكتوبر 2017 بعد إعلان تحرير مدينة بنغازى بثلاثة أشهر، وبعد ثماني سنوات أصبح الكتاب جزءًا مهمًا من توثيق «عملية الكرامة» التى تبلورت لاحقًا ليطلق عليها «ثورة الكرامة» لما أحدثته من تغيير فى الواقع والمشهد الليبي. وأصبح الكتاب أحد أهم المصادر للباحثين والأكاديميين والدراسات العليا حول محاربة الإرهاب فى ليبيا. ما دفعنى بكل حماس إلى ترجمته إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية ليكون وثيقة أمام العالم يروي ما حدث، ويكون شاهدًا على أشرس المعارك فى محاربة الإرهاب.
ولم أتردد فى أن أعرض على المشير خليفة حفتر السماح لى بإجراء حوار حصري معه ينشر فى صدر هذه الطبعة المترجمة، يعطي لها زخمًا وانتشارًا إعلاميًا على المستوى الدولي، وكالعادة وافق على الفور.
فى الحوار تم تسليط الضوء على أهم ومضات «الكرامة»، الواقع والرؤية فى منظور المشير.. كيف اتخذ بعض قراراته.. العلاقات الدبلوماسية الدولية.. بناء الجيش..الإعلام.. الدولة الديمقراطية المدنية.. إعمار ليبيا بعد هزيمة الإرهاب.
المشير يروى بنفسه أهم محطات ثورة الكرامة الليبية وآماله وطموحاته للمستقبل، ما يجعله حوارًا استثنائيًا.
سيادة المشير.. أشكركم أولًا على قبول الدعوة لأجرى معكم هذا الحوار الذى أعتزم بإذن الله أن أنشره حصريًا فى صدر الطبعة المترجمة من كتابى «يوميات مراسل ــ 700 يوم فى بنغازى» باللغتين الإنجليزية والفرنسية، بالإضافة طبعًا إلى نشره فى الطبعة الثالثة التى ستصدر باللغة العربية.
وأنا على يقين بأن الشعب الليبى والعربي وكثيرين من المهتمين بالشأن الليبي على المستوى الدولى يتوقون إلى قراءة حوار صريح مع المشير خليفة حفتر لما لكم من دور تاريخي ومؤثر فى المشهد الليبي على المستويين العسكري والسياسي على وجه الخصوص.
وسأبدأ الحوار بالسؤال عما كان يدور فى ذهن «العقيد خليفة حفتر» وأنتم فى طريق العودة إلى أرض الوطن عام 2011م، وما هو الدافع لاتخاذكم قرار العودة؟
قرار العودة كان واجبًا وطنيًا لابد من القيام به، وهو فى الحقيقة ليس قرارًا بل موقفًا لم تكن معه أية خيارات لمواقف أخرى، هو الانحياز الكامل لإرادة الشعب الليبى الذى أنتفض من أجل التغيير، لم أكن بحاجة للتفكير مطلقًا فى اتخاذ قرار العودة. واجبى تجاه شعبى ووطنى ليس محل جدل أو تفكير. عندما حان الوقت ونادى الوطن كانت استجابتى تلقائية دون تردد، ونابعة من صميم وجدانى. ومنذ تلك اللحظة لم أنظر إلى الوراء، كنت فقط أنظر إلى ليبيا تدخل عصرًا جديدًا مشرقًا، كنت أراها نموذجًا للحرية والتقدم والنهضة والسلام، لأن الشعب الليبى يستحق ذلك، ولديه من الموارد الطبيعية ما يمكّنه من تحقيق أمانيه وطموحاته. تلك هى الصورة التى كانت فى مخيلتى أثناء رحلة العودة. ولكنى فى الوقت نفسه كنت أدرك أن المخاض لم يكن سهلًا. كانت أمنيتى أن يتم التغيير سلميًا دون إراقة دماء، ودون إتاحة الفرصة لأى تدخل أجنبى، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. ورغم كل السلبيات التى تبعت التغيير حتى هذا اليوم هناك قدر كبير من الإيجابيات والإنجازات، ومازلنا نعمل بكل ما بوسعنا لتحقيق الوضع النموذجى الذى نسعى إليه، وهو بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات، والحفاظ على وحدة البلاد وسيادة الدولة، والعيش الكريم للمواطن الليبى.
صدر عنكم بتاريخ 14-02-2014 أول بيان من داخل فندق النخيل فى طرابلس، ينص على تجميد الإعلان الدستورى والمؤتمر الوطنى العام، مع تأسيس هيئة رئاسية ومجلس للدفاع. البيان وصفته الجهات الرسمية بأنه انقلاب عسكرى على الشرعية، وأصدرت أوامر لاعتقالكم لكنها لم تتمكن من ذلك. ما الهدف من البيان؟ وهل فعلًا كانت هناك خطة عسكرية لتنفيذه بالقوة؟
البيان لا يتعدى كونه مبادرة، هدفها الخروج من الأزمة السياسية التى بدأت تتفاقم وتنذر بمخاطر تهدد سلامة الوطن نتيجة عدم التزام المؤتمر الوطنى العام بمدة ولايته، وقد وظفت القوى المعادية المسيطرة على المشهد فى ذلك الوقت أبواقها وآلتها الإعلامية لتشويه البيان وما يرمى إليه، وقدمته على أنه انقلاب عسكرى وتمرد على السلطة. وهنا نتساءل: كيف يكون انقلابًا وقد نص البيان نفسه حرفيًا على أنه مبادرة؟ وكيف يكون انقلابًا وهو يدعو إلى تسليم السلطة إلى المجلس الأعلى للقضاء؟ كيف يكون انقلابًا ولم يصاحبه أى تحرك عسكرى على الأرض بالمطلق؟ بإمكانك أن تستمع إلى البيان لتكتشف أنه مبادرة سلمية لحل أزمة سياسية ليس إلا، ولم تكن هناك أى خطة لفرضها بالقوة. ولكن قوى التطرف التى كانت تتربع على عرش السلطة وتتشبث به رغم انتهاء ولايتها كانت تريد أن تحتكر السلطة إلى الأبد، وأن تتمسك بها بالقوة خارج إطار القانون، وشَعَرت أن البيان يهدد مشروعها الذى يعتمد على التمسك بالسلطة والتفرد بالقرار. لذلك أقاموا القيامة.. فقصفوا الفندق الذى بُث منه البيان بالمدافع وتمت مداهمته بغرض اعتقالى، ولكن أحبط الله عملهم وفشلوا فشلًا ذريعًا. ولو أنهم استجابوا إلى ما دعا إليه البيان منذ البداية لتجاوزت ليبيا أزمتها السياسية منذ ذلك الوقت، ونكون قد انتهينا من بناء الدولة بإرادة محلية محضة، وقطعنا مشوارًا طويلًا فى ميادين التنمية والنهضة فى جميع المجالات. ولكن هذا هو حال التطرف وهذه هى طبيعته.. الشد إلى الوراء وعرقلة التقدم إلى الأمام. إذن فى الحقيقة هم الذين انقلبوا على المسار الديمقراطى ماداموا يرفضون تسليم السلطة مع انتهاء ولايتهم. أى هم الانقلابيون وليس نحن.
أثناء سيطرة الإرهاب على بنغازى تجمع عدد كبير من الأهالى أمام منزلكم بحى الزيتون فى بنغازى يهتفون «حيه خليفة حيه خليفة» فى نداء صريح يدعوكم إلى القيام بما فى وسعكم من أجل إنقاذ المدينة وأهلها من بطش الإرهاب، هل تعتبر ذلك الموقف الشعبى هو البداية الحقيقية لمشروع «ثورة الكرامة»؟ وهل كان التجمع عفويًا أم سبق الترتيب له؟
بنغازى عانت من العمليات الإرهابية معاناة لا يمكن وصفها، كانت الاغتيالات والتفجيرات تتم يوميًا فى وضح النهار بدم بارد، حتى المساجد ــ بيوت الله ــ شهدت عمليات إرهابية بشعة، كان الإرهابيون يذبحون البشر ويقطعون رؤوسهم فى ساحات المساجد أمام الأطفال. هل شاهدت المقاطع التى كانوا ينشرونها بكل فخر وتباهٍ يمارسون فيها رياضة كرة القدم برؤوس البشر؟ نعم كانوا يفعلون ذلك. وكانوا يطلقون الرصاص على المصلين وهم سجود أثناء الصلاة. وكل من يشتمّون عليه رائحة انتماء للجيش أو للشرطة أو لأى جهاز أمنى كان مصيره الذبح الفورى. حتى المدنيون من الصحفيين والقانونين ونشطاء المجتمع المدنى ــ رجالًا ونساءً ــ كانوا هدفًا لرصاصهم الغادر. يضاف إلى ذلك الاعتقالات التى لحقت بالآلاف من الأبرياء وتعذيبهم فى المعتقلات. كانوا يصلبون ضحاياهم على أعمدة الكهرباء فى الطرقات العامة لعدة أيام. لقد مارس الإرهابيون أشد أنواع الإذلال ضد المواطنين البسطاء. انتهكوا الحرمات، وشردوا العائلات، وحولوا المدينة إلى «سلخانة» للبشر. كانوا يعلنونها صراحة وبكل صفاقة وعنجهية على شاشات التلفاز بأننا جئناكم بالذبح. ليس فى أجندتهم أى مشروع للنهضة أو التنمية أو البناء، بل فقط القتل وسفك الدماء، إنها سياسة التوحش التى تعتمد على قطع الرؤوس وبث عمليات التنفيذ حية على القنوات. ولم يحدث هذا فى بنغازى فقط بل شمل مدنًا أخرى مثل درنة وسرت وغيرهما. هذا ما دفع حشود الجماهير من أهالى بنغازى إلى التجمع أمام بيتى ودعوتى لقيادة حرب المواجهة ضد هؤلاء المجرمين من الإرهابيين. كانت دعوة صادقة أدركت معها أن أوان المواجهة قد حان ولا يحتمل التأجيل، وإما النصر وإما الاستشهاد. ولاحظت فى تلك الحشود حماسًا منقطع النظير نابعًا من شدة المعاناة وقسوة الظروف بسبب الإرهاب، واستعدادًا لخوض المعركة والتضحية من أجل الكرامة. وأدركت أنه يمكن الاعتماد على شبابنا الأحرار عند المواجهة مع الإرهابيين. وقد كانت فعلًا نقطة البداية لمشروع ثورة الكرامة.
سبق وذكرتم أن العملية العسكرية الأولى التى انطلقت من مرتفعات الرجمة قد بدأت بــ 317 ضابطًا وجنديًا، فى حين أن عدد المقاتلين من التنظيمات الإرهابية فى المقابل كان يقدر بالآلاف، وقد تلقوا أعلى مستويات التدريب على السلاح وحرب العصابات. هل لك أن تروى لنا تفاصيل الخطة العسكرية؟ وهل كنت تراها عملية فدائية أشبه ما تكون بالانتحارية ولن تحقق غاياتها بالنظر إلى فارق الإمكانيات بين ما كان بحوزتكم وما كان لدى العدو؟
عدد المعارك فى عملية الكرامة تجاوز 200 معركة، انتصرنا فيها جميعًا. واستمرت أكثر من أربع سنوات دون توقف، لذا فان تفاصيل الخطط العسكرية يحتاج إلى مجلدات من الكتب لعرضها، ولا يمكن اختصارها فى سطور. ولكن يمكن الإشارة إلى أننا اعتمدنا فى كل المواجهات بيننا وبين العدو على عنصرين أساسيين: الأول هو اعتماد قاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع بأسلوب المباغتة، خاصة على مراكز القيادة، كما حدث فى أول هجوم فى اليوم الأول لعملية الكرامة. وهو عنصر أساسى أدى إلى إرباك العدو وإحداث خلل فى توازنه وبث الرعب بين صفوفه. المباغتة فى الهجوم أعطت إيحاءً قويًا لدى العدو بأننا نمتلك قوة ضخمة تحاصره من كل الجوانب ما أدى إلى انهيار معنوياته وفقدانه السيطرة على وحداته، وعدم القدرة على التخطيط السليم لردة الفعل. والعنصر الثانى هو محاصرته من عدة محاور تمنعه من اللجوء إلى المرتفعات والغابات والمناطق الجبلية للاحتماء بها والاختباء فيها، لتكون كل تجمعاته ومناوراته مكشوفة لنا. كانت كل هجماتنا تفرض عليه التقهقر فى الاتجاه الذى نريد وهو ناحية البحر، حتى تتم محاصرته على الشاطئ حيث لا غطاء ولا ملاذ ولا مفر، وهناك تم القضاء على ما تبقى من الإرهابيين.
عندما اتخذنا قرار المواجهة كان المنطلق هو أداء الواجب الوطنى فى الدفاع عن أرضنا وعرضنا وكرامتنا. أما النصر فهو من عند الله. لم نكن نسعى للحرب، لكنها فُرضت علينا. لم يكن أمامنا خيار إلا أن نحمل السلاح ونقاتل حتى آخر قطرة من دمائنا. لم يكن بوسعنا إطلاقا أن نهادن أو أن نقف متفرجين على المجازر البشعة التى يرتكبها الإرهابيون ضد المواطنين الأبرياء. لم يكن بوسعنا أبدًا أن نتخاذل ونتهاون فى إنقاذ الوطن من الضياع ووقوعه فريسة فى يد المجرمين من شذاذ الآفاق. قرار المواجهة لم يعتمد على حسابات النجاح أو الفشل، أى النصر أو الهزيمة، بل على كونه واجبًا وطنيًا. كان إيماننا بالله وبعونه وبمشروعية كفاحنا أقوى من كل ما لدى العدو من عدة وعتاد، وأقوى من كل الدعم الذى كان يتلقاه من الداخل والخارج، وبذلك انتصرنا.
فى 15/7/ 2017 أعلنتم بيان تحرير بنغازى. كيف كان الشعور فى تلك اللحظة؟
عندما تقود عملية عسكرية نضالية كبرى بحجم عملية الكرامة، هدفها إنقاذ الوطن وتحريره، فى ظروف قاسية للغاية، وفى مواجهة إرهابيين متجردين من أدنى معانى الإنسانية، وتقدم خلالها قوافل من الشهداء والجرحى، ويقف معك الشعب مساندًا بأبنائه، ليس بالتصفيق والتهليل والهتاف، بل بالقتال فى الميدان، وتتوجها بالنصر وهزيمة الإرهاب فإن وصف المشاعر تعجز عنه الكلمات. ولكن باختصار كنت أشعر بالسعادة المطلقة، لأنه بتحرير بنغازى تكون قد عادت الحياة إلى كامل ربوع ليبيا. بنغازى كانت وستظل مفتاح السر لأمن واستقرار ليبيا. كنت أشعر أن ليبيا قد فُتحت أمامها أبواب المستقبل المزدهر.. وكنت أشعر بالفخر لأننا لم نخذل شعبنا، وأن الثقة التى منحها الشعب لنا كانت فى محلها ولم نخيّب ظنه. كنت أشعر بالرضا عن النفس، وكنت أشعر بالاعتزاز والافتخار بضباطنا وجنودنا والقوى المساندة لنا، وبكل من أسهم فى تلك الملحمة التاريخية. لقد خيّم على ليبيا ظلام حالك حين كانت بنغازى ترزح تحت قبضة الإرهاب، ومع انتصار الكرامة انقشع الظلام وأشرقت الشمس من جديد، هذه هى الحقيقة. فلك أن تتخيل كيف يكون الشعور حين يحل النور محل الظلمات.
العلاقات الدولية العسكرية
مع تقدم الجيش فى المعارك وتحقيقه الانتصار تلو الآخر، توالى الاعتراف بالجيش الوطنى الليبى وقيادته، لكن المرحلة الأولى كانت بلا شك مرحلة استثنائية، وربما حرجة، وخاصة مع تعنت الأمم المتحدة ومجلس الأمن فى إصدار قرار يفرض عليكم حظر التسليح. هل كانت هناك مجموعة دول داعمة لكم؟ من هى وكيف كان التنسيق؟
عندما اتخذنا قرار المواجهة لم نقم بأى تنسيق دولى على الإطلاق، كنا نعتمد على الله أولًا وعلى أنفسنا، رغم إدراكنا الفارق الكبير بين إمكانياتنا البسيطة وما لدى الإرهابيين من إمكانيات هائلة. وكنا أيضًا ندرك حجم الدعم المادى الكبير الذى كان يتلقاه الإرهابيون من اتجاهات مختلفة. كنا دائمًا نقول إن القوة ليست فى السلاح مهما كان فتّاكا ومتطورًا، بل فى المقاتل الذى يحمله. لذلك لم يكن قرار حظر التسليح ليمنع انطلاق عملية الكرامة وانتصارها. نحن أعددنا للإرهابيين ما استطعنا من قوة، بصرف النظر عن حجمها، وكانت كافية لهزيمتهم. لأن الكرامة انطلقت دفاعًا عن قضية وطنية مقدسة، والمقاتلون الذين التحقوا بصفوفها كانوا مستعدين للتضحية بأرواحهم، وحرّموا على أنفسهم التقهقر والتراجع إلا لأسباب تكتيكية تفرضها الخطة العسكرية فى ظروف خاصة، لأن قضيتهم تستحق هذا القدر الكبير من التضحية، ومن هنا اكتسبوا القوة. كانت الإرادة هى السلاح الحقيقى لأن قضيتهم ليست مالًا أو سلطة أو جاهًا، بل كرامة وعرض وشرف ووطن، وفى المقابل كان العدو يبنى عقيدته على الباطل، وليس لديه قضية مقدسة يقاتل من أجلها. هم عبارة عن شراذم من إرهابيين مجرمين فاشلين فى حياتهم، بلا تعليم وبلا تربية وبلا أخلاق، متجردين تمامًا من الإنسانية، وقد سيطر الشر على نفوسهم وعقولهم الفارغة ونزواتهم الشيطانية. ليس فى عقيدتهم إلا القتل من أجل القتل. وعندما بدأت المعارك لاحظت بعض الدول أننا جادون فى القضاء على الإرهاب، وأدركت أن الإرهاب إذا انتصر فى ليبيا فإن دائرة سيطرته ستتسع وقد تطالها، فوقفت إلى جانبنا بالتأييد والمناصرة. ومن ناحية أخرى ــ وهى الأهم ــ هناك بعض الدول وقفت إلى جانبنا من منطلق الأخوة والعروبة مثل مصر والإمارات، ورأت أن من واجبها القومى مساندة الشعب الليبى، وهذا أمر طبيعى. فهل يمكن أن نتصور، على سبيل المثال لا الحصر، أن الشعب المصرى وقيادته سيقف متفرجًا والشعب الليبى بجواره يتعرض للقتل والذبح على يد الإرهابيين؟ لا يمكن أن نتصور ذلك. وفى المقابل هناك بعض الدول كانت وبكل أسف تدعم الإرهاب ضدنا، ودول أخرى اختارت موقف الحياد والتفرج من بعيد لأسباب تخصها.
لا شك أنكم حققتم انفتاحًا فى العلاقات العسكرية مع العديد من الدول العربية والإفريقية والغربية وكان آخرها المناورات العسكرية المشتركة التى أجراها الجيش الوطنى الليبى مع الجيش الأمريكى فى سرت. ما جدوى هذه المناورات؟ وهل نستطيع القول إن الجيش الليبى الآن قد أنهى مرحلة البناء ودخل مرحلة الاستقرار وتطوير قدراته؟
أى دولة ترغب إجراء مناورات عسكرية معنا فى إطار محاربة الإرهاب نرحب بها. وإذا ما وجهت لنا أى دولة دعوة للمشاركة فى مناورات عسكرية على أراضيها بغرض محاربة الإرهاب لن نتردد فى الاستجابة عبر القنوات الرسمية. سواء كانت أمريكا أو غيرها. هذا النوع من المناورات يحقق مصلحة الجميع بعيدًا عن المصالح السياسية أو الاقتصادية، لأن الإرهاب عدو الإنسانية قاطبة، وعابر للحدود، وليس له أصدقاء إلا الشياطين، وكل من يتحالف مع الإرهاب بأى صورة هو فى الحقيقة يتحالف مع الشيطان، ووجب على الأمم المتحضرة أن تتحالف ضده وتحاربه بكل ما أوتيت من قوة من أجل القضاء عليه. وهذا النوع من المناورات يعزز قدراتنا وجاهزيتنا القتالية لمواجهة الإرهاب الذى قد يظهر فجأة فى أى وقت وفى أى مكان، وهى جزء من تطوير الجاهزية الدفاعية والهجومية لقواتنا المسلحة. إن مسؤولية الدفاع عن الوطن هى بلا شك من أصعب المهام وأهمها على الإطلاق، ولا يمكن أداؤها على أكمل وجه ما لم تكن القوات المسلحة على أعلى مستوى من التدريب والتجهيز والاستعداد. إن بناء الجيش ليس له نهاية، لأنه فى مرحلة تطور مستمر وفقًا لما تشهده البيئة والأحداث من تغيرات، وما تشهده التكنولوجيا وتطور العلوم العسكرية من تقدم، ولا يمكن أن تصل إلى مرحلة من البناء ثم تتوقف، لأن عجلة التطوير فى حركة دائمة إلى الأمام. نحن نعمل باستمرار – ليل نهار – على مواكبة التقنية الحديثة فى التسليح والتدريب والتأهيل وكذلك التخطيط، لنكون جاهزين لأى طارئ يمس الأمن القومى. هذه مهمة ليست سهلة كما يراها البعض. وقد قطعنا شوطًا طويلًا فى البناء والتطوير بعون الله وفضله، وبالجهد والعرق والصبر والمثابرة، ومازال العمل فى هذا الاتجاه مستمرًا ولن يتوقف أبدًا رغم كل التحديات والصعوبات التى نواجهها. الجيش هو صمام الأمان، وهو الركيزة التى تبنى عليها الدول، وإذا غاب الجيش، انهارت الدولة وأصبح مصير الشعب والوطن فى خطر. ويكون الإرهاب أول المستفيدين من ذلك.
بناء الجيش
شهدت ثورة الكرامة التحاق عدد كبير من الضباط والجنود بجانب شباب القبائل منذ الأيام الأولى فى كامل المدن الليبية ولكن من البديهى أن تكونوا قد واجهتم صعوبات فى مسألة التسليح. كيف تغلبتم على تلك الصعوبات؟
السلاح مهم فى المعارك، لكنه ليس هو كل شىء. وعلى سبيل المثال قد تكون لديك ترسانة ضخمة من الأسلحة الفتاكة وتخسر الحرب إذا لم يكن لديك تخطيط عسكرى جيد وفقًا لطبيعة المعارك، وقد تنهزم إذا فقدت السيطرة رغم ما لديك من سلاح وفير، وقد تنهزم أيضًا إذا فقد ضباطك وجنودك الروح المعنوية والدافع الوطنى للقتال بصرف النظر عما بحوزتهم من سلاح، والأمثلة كثيرة على أسباب الهزيمة. وفى المقابل قد تنتصر بإمكانيات عسكرية بسيطة إذا أحسنت التخطيط واستغلال نقاط ضعف العدو واستطعت أن تكشف أسراره العسكرية. أقصد أن عوامل النصر لا تعتمد فقط على السلاح رغم أهميته. أكرر وأقول بأننا لم ننتصر بالسلاح وحده بل بالرجال الأبطال الشجعان، وبالإرادة والصبر وحسن التخطيط قبل الاعتماد على السلاح. إذا اعتبرت أن السلاح هو العنصر الوحيد لضمان النصر، وأجريت مقارنة بين ما كان بحوزتنا من سلاح وما كان بحوزة الإرهابيين وما يتلقونه من دعم على مدار الساعة فإنك حتمًا ستحكم علينا بالهزيمة الساحقة منذ الأيام الأولى لعملية الكرامة، لكننا انتصرنا فى جميع المعارك. ومع كل انتصار نستولى على كميات هائلة من أسلحة العدو الخفيفة والمتوسطة والثقيلة. حتى إننا كنا ندعو فى خطاباتنا إبّان الحرب الجهات التى كانت تدعم الإرهابيين بالسلاح بأن يضاعفوا حجم الدعم لأنه فى النهاية سيقع فى قبضتنا. وفى الوقت نفسه كنا نبذل جهودًا مضنية من أجل خلق مصادر أخرى للسلاح، وقد كلل معظمها بالنجاح، ولم يكن ذلك أمرًا سهلا فى ظل حظر التسليح الجائر الذى كان مفروضًا علينا، ناهيك عن عدم توفر المال الكافى لشراء السلاح، ولكن عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن وأمنه واستقراره، وبكرامة الليبيين، وبتحرير ليبيا من الإرهاب فإن كل الوسائل التى توفر بها السلاح تصبح مشروعة، وتكتسب مشروعيتها من مشروعية القضية التى كنا نقاتل من أجلها، وقضيتنا كانت مقدسة بالنسبة لنا.
منذ الأسابيع الأولى لعملية الكرامة أطلقتم شعار «يد تحارب ويد تبنى» فأنشأتم مركز تدريب الأبيار ثم الكلية العسكرية فى توكره وقمتم بإرسال المئات ثم الآلاف إلى الكليات العسكرية بالخارج، وقد رأى البعض أن ذلك سابق لأوانه، لأن المعركة كانت فى منتهى الضراوة، وغير محسومة أو مضمونة النتائج. ومن جانب آخر كنتم تواجهون شح التمويل بل ربما عدم وجود تمويل أصلًا لذلك، وقد شاهدنا فى احتفالات العيد العاشر للكرامة استعراضًا عسكريًا مهيبًا ومبهرًا، رأينا كمًّا هائلًا من المعدات والأسلحة المتطورة، وكراديس لا تحصى من الضباط وضباط صف وجنود من مختلف الصنوف العسكرية، وهناك من يقدر حجم الجيش الوطنى الليبى بمائة ألف عسكرى مدربين على أعلى مستوى…. كيف تم ذلك؟
ليس كل ما يتعلق بالجيش قابل للنشر، الجيش له أسراره التى يجب المحافظة عليها فى أضيق نطاق، والجيش الذى يكشف أسراره هو جيش مهزوم. كيف تفاجئ العدو وتنتصر عليه إذا كنت كتابًا مفتوحًا أمامه. المؤسسة العسكرية لها طبيعتها الخاصة على خلاف المؤسسات المدنية. الكشف عن أى شأن عسكرى يتم بعناية فائقة وبأذونات خاصة ولأغراض تخدم الأهداف العسكرية، ولذلك ترى أن المؤسسة العسكرية تمنع منعًا باتًا على منتسبيها الإدلاء بأى تصريح إلا بإذن من القيادة العسكرية العليا. هذا ليس فى قواتنا المسلحة فقط بل فى كل دول العالم، ومن يخالف ذلك يتعرض لعقوبات قاسية وفقًا للقانون العسكرى الصارم. وكل ما يعنى الشعب هو أن يرى جيشه فى حالة استعداد دائم، وهذا هو الغرض الأساسى من الاستعراضات العسكرية، وهى دائمًا تمثل عينات فقط من القوة الحقيقية للجيش. نُطمئن بها الشعب من ناحية، ونرهب بها العدو من ناحية أخرى. ودائمًا نحتفظ بما يكفى من القوة ضمن أسرارنا العسكرية لنفاجئ بها العدو عند المواجهة. ونظرًا للحالة الاستثنائية التى تعيشها ليبيا، فإننا فى حالات عديدة نجد أنفسنا مضطرين للجوء إلى أساليب استثنائية لتوفير احتياجاتنا التى تحقق الغاية، دون المساس بالقواعد الأساسية التى ينص عليها القانون. نحن لدينا أصدقاء وحلفاء، نتبادل معهم المصالح المشتركة، وبالنسبة لنا تطوير قدراتنا العسكرية يأتى فى مقدمة تلك المصالح. العلاقات الدولية التى بذلنا جهدًا مضنيًا من أجل بنائها كان لها دور كبير فى تطوير قدراتنا العسكرية فى مجالات التسليح والتدريب على حد سواء.
الدبلوماسية السياسية للكرامة
لم يكن لثورة «الكرامة» ظهير سياسى دبلوماسى حكومى نتيجة التعقيدات التى تشهدها الحالة السياسية فى ليبيا بدءًا من وجود حكومتين منذ توقيع اتفاق الصخيرات بالمغرب فى ديسمبر 2015 وحتى الآن رغم محاولة مؤتمر جنيف للاتفاق على حكومة واحدة والتى انتهت بعودة الانقسام الحكومى من جديد. متى تنبهتم أن القيادة العامة لابد أن يكون لها دبلوماسيتها المباشرة واقتحام الملف السياسى على المستويين المحلى والدولي؟ وإلى أى مدى حققتم نجاحًا فى خوض المجال السياسى؟
نعم لقد انتبهنا منذ البداية إلى ما يمكن أن يلحقه المشهد السياسى المضطرب من ضرر بالغ على أداء المؤسسة العسكرية وعلى مستقبلها. وكنا نردد ونقول بأننا لم نقتحم الشأن السياسى ولم نرغب فى ذلك، ولكن السياسة هى التى داهمتنا وفرضت علينا الاحتكاك بها، وكان لزامًا علينا أن نفرض أنفسنا فى المجال السياسى لنحمى المؤسسة العسكرية من أى قرارات أو اتفاقات سياسية قد تخفى بين سطورها المساس بالقوات المسلحة. والأمثلة على ذلك كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال مساعى بعض الأطراف التى تعمل على تدمير الجيش بأن تخضع القوات المسلحة بكاملها للسلطة المدنية الناتجة عن اتفاقات دولية. بمعنى أن يكون المجلس الرئاسى المنبثق عن اتفاق سياسى والمعترف به دوليًا هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهذا الطرح يبدو فى ظاهره منطقيًا ويتوافق مع أسس الديمقراطية الحديثة، ولكنه فى الحقيقة يهدف إلى إضعاف الجيش والحد من حجمه وقدراته وفاعليته. وهو ما لا يمكن أن نسمح به على الإطلاق. نحن نتمسك بمبدأ واحد فقط، لا نحيد عنه ولا نقبل أبدًا بسواه، وهو أن القائد الأعلى للجيش هو فقط رئيس الدولة المنتخب من الشعب الليبى مباشرة فى انتخابات نزيهة وشفافة. ما عدا ذلك هو مؤامرة مكشوفة لضرب الجيش. هذا الجيش الذى خلق من العدم وولد فى ميادين القتال ونحن نحارب الإرهاب، ودفعنا ثمن بنائه أرواحًا طاهرة ودماءً زكية لا يمكن بأى حال أن يكون خاضعًا لأى سلطة ما لم تكن ناتجة عن انتخاب الشعب لها، وهو أمانة فى عنقنا، ولن يتسلم زمام أمره وقيادته العليا إلا من يختاره الليبيون، لأنه جيش الشعب وليس جيش الاتفاقيات السياسية فى الدوائر المغلقة. وكل من يدعى أنه القائد الأعلى للجيش الليبى هو واهم يخدع نفسه ويغالط الحقيقة، وليس بمقدوره أن ينقل جنديًا واحدًا فى قواتنا المسلحة من ثكنة إلى أخرى مهما أصدر من قرارات أو تعليمات. جميعها تظل حبرًا على ورق. هذا المثال يشرح بوضوح لماذا نفرض إرادتنا فى الشأن السياسى. هناك الكثير من الشؤون السياسية ننأى بأنفسنا عنها، ولكن إذا اقتربت السياسة من الجيش فستجدنا فى مركز الدائرة وكلمتنا تبقى هى العليا، والسبب فى ذلك هو حرصنا فى الحفاظ على مكتسباتنا، وأننا ننطلق من مبادئ وطنية راسخة لا تنازل عنها ولا نقبل المساومة فيها، ونعى جيدًا واجباتنا وغاياتنا، وأننا يقظون لما يخططه العدو لنا.
سيادة المشير خليفة حفتر.. نلاحظ توالى اللقاءات الرسمية والاجتماعات التى تقومون بها فى الداخل والخارج دون أن تصدر أية بيانات أو تصريحات بشأنها. هل كلها تتصف بالسرية التامة أم بالإمكان أن تطلعنا على أهم ما يجرى فيها؟
المباحثات عديدة ومتنوعة فى مضمونها، منها ما يتناول تبادل وجهات النظر للوصول إلى رؤية توافقية لها طابع العموم، نبدى فيها القدر الكافى من المرونة من أجل التقدم إلى الأمام، ومنها ما يتطلب منا اتخاذ موقف حازم وصارم لأنها تتعلق بالمبادئ الوطنية. وهناك أيضًا مباحثات من نوع آخر لها خصوصية تتعلق بالشؤون العسكرية والأمنية البحتة. ونحن دائمًا منفتحون على الحوار والتباحث فى شتى القضايا التى تمس الوطن. وأذكر على سبيل المثال مباحثاتنا مع بعثة الأمم المتحدة للدعم فى ليبيا. كانت كلها مباحثات تشاورية للخروج برؤية شاملة تعالج الأزمة السياسية التى تعانى منها ليبيا منذ ما يزيد على عقد من الزمان. كنا ندعم خلالها جهود البعثة، ونحثها على الجدية ومضاعفة الجهد، وعدم التهاون مع المعرقلين للحلول السياسية السلمية، ونؤكد لها حرصنا على المسار الديمقراطى بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة وشفافة، ومستعدون لحماية الدوائر الانتخابية، وأن باب الترشح يجب أن يكون مفتوحًا أمام كل الليبيين، وأن شروط الترشح لا يجوز أن تحتكرها وتفرضها فئة معينة -مهما تكن صفتها- لتحقيق أهدافها الخاصة، وتفصّل مقاسها على من تشاء. القرار هو قرار الشعب، وصناديق الترشح هى الفيصل. هذه هى الديمقراطية، ألا تفرض نفسك وصيًا على الشعب. الشعب وصى على نفسه، وهو حر فى قراره واختياره. يقرر مصيره بإرادته الحرة. من أنت حتى تفرض شروطًا للترشح؟ هل لديك تفويض من الشعب؟ هل المواطن قاصر على أن يضع الشروط بنفسه ويدلى بصوته وفقًا لشروطه؟ من أين لك أن تنصب نفسك وصيًا على الشعب؟ كنا دائمًا نحث البعثة على هذا التوجه وألا تصغى لفئة قليلة، منبوذة من الشعب، تدرك أن الانتخابات سترمى بها خارج المشهد، لذلك تضع العراقيل وترى أن الانتخابات الحرة النزيهة الشفافة هى عملية انتحارية بالنسبة لها. هذا الطرح الديمقراطى الشفاف الذى يمنح جميع الصلاحيات للشعب كنا نعرضه أيضًا فى لقاءاتنا مع رؤساء الدول ومبعوثيها وسفرائها، وكنا نحذر الجميع فى تلك اللقاءات من خطورة تعثر العملية السياسية والتباطؤ فى إجراء الانتخابات وبقاء الحال على ما هو عليه. موقفنا هذا يؤكد انحيازنا للشعب وثقتنا فى وعيه وفى أنفسنا أيضًا، وإيماننا بالحرية وتمسكنا بالمسار الديمقراطى، وعكس ذلك ينطبق على الذين يعملون بأقصى جهدهم لعرقلة الانتخابات.
يلاحظ المراقبون أنكم استطعتم تطوير علاقاتكم مع العالم الخارجى من خلال الزيارات المتواصلة التى يقوم بها وفود دولية على اعلى المستويات إلى مكتبكم. رؤساء دول ورؤساء حكومات وسفراء يتوافدون على مكتبكم للقائكم. بالإضافة إلى الحفاوة التى يتم استقبالكم بها فى زياراتكم الخارجية. ما سر هذا النجاح؟
من أبرز النجاحات التى نعتز بها هى بناء علاقات دولية متينة مبنية على الاحترام المتبادل، وتهدف إلى تحقيق المصالح المشتركة، ولم تنشأ هذه العلاقات عن طريق الصدفة بل بالعمل، والدول لا تمنحك الاحترام هبة من عندها بل أنت تفرضه بما لديك من مواقف ورؤى، وبما تنجزه على الأرض. وأهم العوامل التى ساعدت على بناء تلك العلاقات هى عملية الكرامة ذاتها، لأنها لم تحقق مكاسب لليبيين فقط بل للعالم بأسره. الدول التى كانت تتابع ما يجرى على الأرض عندما كنا نحارب الإرهاب لم يكن فى تصورها أبدًا أننا سننتصر، لم تكن تتصور أننا مستعدون لدفع هذا الثمن الباهظ من التضحية من أجل الحرية والكرامة، كانت تدرك قسوة الظروف التى واكبت عملية الكرامة، وكانت تتوقع لنا هزيمة ساحقة منذ المعارك الأولى. التغلب على تلك الظروف والتحديات ومن ثم الانتصار على الإرهاب بيّنت حقيقية القوات المسلحة أمام العالم، فأدركت الدول ــ خاصة ما نسميها الدول العظمى ــ حرفية القوات المسلحة، وشجاعة وانضباط منتسبيها من ضباط وضباط صف وجنود، وأدركت أيضًا حجم الدعم الشعبى اللامحدود لها ولقيادتها، ومكانتها عند الليبيين. يضاف إلى ذلك ما تحقق من أمن واستقرار ونهضة فى البناء والإعمار فى غالبية البلاد على يد القوات المسلحة، هذه العوامل مجتمعة أكسبتنا احترام العالم لنا، وكانت الأرضية التى تأسست عليها علاقاتنا مع دول العالم. نحن منفتحون على العالم ونمد أيدينا لكل الدول المحبة للسلام التى ترغب بناء علاقات طيبة معنا لتحقيق مصالح مشروعة تخدم الشعب الليبى وشعوب تلك الدول على حد سواء. كذلك المباحثات التى نجريها مع وفود العديد من الدول على أعلى المستويات ــ كما أشرت حضرتك ــ حول الشأن الليبى والإقليمى أيضًا أسهمت فى تعزيز علاقاتنا الدولية، ومن خلال تلك المباحثات المباشرة تبين لتلك الوفود أننا على عكس الصورة المشوهة التى يعمل الإعلام المضلل على ترسيخها، الأمر الذى شجع تلك الدول على توطيد العلاقات معنا وبناء شراكات طويلة المدى.
دور الإعلام فى ثورة الكرامة
خلال الأشهر الأولى لعملية الكرامة كان هناك تعتيم إعلامى دولى على المعارك التى خاضها الجيش ضد الإرهاب، تبعه هجوم شرس من أكبر وأهم وكالات الأنباء والصحف والقنوات العالمية التى تنقل عنها باقى محطات الإعلام على مستوى العالم ضد عملية الكرامة، فى محاولة لطمس حقيقة ما يجرى على الأرض. ومع توالى انتصاراتكم بدأت بعض وسائل الإعلام العربية والدولية تسلط الضوء على تلك الانتصارات، كيف يرى المشير خليفة حفتر أهمية الإعلام الدولى وكيف يتعامل معه؟
الإعلام فى الأساس -حسب فهمى المتواضع له- هو وسيلة لنشر الحقيقة ودحض الأكاذيب. وله رسالة فى غاية النبل والأهمية تتلخص فى نشر الوعى بين المواطنين بما يدور حولهم، لكنه بكل أسف غالبًا ما يتم توظيفه لتضليل الرأى العام، وصناعة مشاهد وهمية تبدو للمتلقى أنها الحقيقة، خدمة لأهداف سياسية أو عسكرية أو غيرها. كما تم توظيفه لإشعال فتيل الفتنة داخل المجتمع، وفى حالات عديدة كان الإعلام سببًا فى نشوب الحروب الأهلية، ورغم كل القوانين المحلية والدولية التى تنظم النشاط الإعلامى إلا أنه لا توجد مؤسسة إعلامية تلتزم بها، لأن تأسيسها منذ البداية كان خدمة لأهداف مؤسسها فقط. ومن هنا تفقد تلك المؤسسة شرف المهنة وتصبح خاضعة لتوجهات وسياسات الجهة التى تتبعها. لكن التأثير السلبى للإعلام المضلل فى المجتمعات الواعية لا يكاد يذكر، ويتطلب مهارات مهنية وتقنية عالية لكى يصبح مؤثرًا. والإعلام الدولى أو الأوروبى والأمريكى تحديدًا يلعب دورًا مهمًا فى التأثير على قرارات الحكومات والحراك الشعبى، ومن هنا يجب أن يكون لنا نشاط إعلامى فعال فى الساحة الأوروبية والأمريكية لننقل لهم حقيقة ما يجرى فى بلادنا، وأن نرد على كل الشائعات المضللة التى تشوه الحقيقة، ويترتب عنها قرارات تلحق بنا الضرر، ولكن بكل أسف نفتقد أى نشاط إعلامى فى تلك الساحات.
نأتى للإعلام المحلى.. ففى وقت مبكر جدًا تم إنشاء أول قناة تبث من القاهرة تساند الكرامة وسميت قناة «الكرامة» ولكن سرعان ما توقفت عن البث. هل كان ذلك لأسباب تمويلية أم كما قيل وقتها كانت هناك محاولة للسيطرة عليها من أطراف ضد الكرامة لتهاجم الجيش؟
هذه أمور تفصيلية لا أملك الإجابة عنها، ولكن بشكل عام الإعلام المحلى هو إعلام موجه بالكامل لخدمة أطراف سياسية بعينها، ولا علاقة له بنشر الحقيقة أو توعية المجتمع، ولا يوجد إعلام محلى محايد يحترم رسالة الإعلام النبيلة إلا ما ندر. وللأسف لعب الإعلام المحلى دورًا سيئًا للغاية فى التعامل مع الأحداث التى تمر بها البلاد والمتغيرات التى تشهدها عن طريق نشر الأخبار الكاذبة وطمس الحقيقة، ونضرب على ذلك مثلًا حين كنا نقاتل الإرهاب كانت بعض وسائل الإعلام التى تمولها دول تدعم الإرهاب تقدم الصورة على أننا نرتكب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وأن الإرهابيين هم مواطنون أبرياء معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، تقصفهم قوات الكرامة بالمدافع والصواريخ، فى حين أن الحقيقة أننا كنا نحارب زمرة من المجرمين الإرهابيين الذين يرتكبون أبشع الجرائم ضد الأهالى. ويكفى أن نذكر الفضيحة التى كشفت أكاذيبهم حين عرضوا على قنواتهم البائسة طفلة غيروا ملامح وجهها بدهانات ليبدو محروقًا، وقدموها على الشاشات بأنها ضحية نيران الكرامة، ولكن سرعان ما انكشف الأمر وظهرت الحقيقة بأن المشهد بكامله هو صناعة وإخراج إعلامى. وكانوا يقدمون الصورة على أننا نسعى إلى السلطة بالقوة، وأننا نمثل أشد أنواع الديكتاتورية ونعرقل المسار الديمقراطى، فى حين أن الحقيقة غير ذلك. فنحن أول من نادى بالانتخابات، وعندما فتح باب الترشح تقدمت للمفوضية العليا للانتخابات بملف الترشح مستوفيًا كل الشروط القانونية، مثلى مثل باقى المترشحين، وندافع على حق الشعب فى تقرير مصيره دون نيابة أو وصاية من أحد. وكنا فى كل خطاباتنا ندعو إلى الدولة المدنية، وإلى الحرية والديمقراطية. والأمثلة كثيرة على الدور التضليلى للإعلام المحلى. ولكن رغم كل ذلك أصبح المواطن على درجة عالية من الوعى، ويمتلك القدرة على التحليل وكشف الأكاذيب، ما قلل من تأثير الإعلام المضلل. وهناك شخصيات مريضة نفسانيًا تدعى الثقافة والمعرفة بخفايا الأمور، يتحكم فى سلوكهم وافتراءاتهم الحقد الكامن فى نفوسهم، تظهر على الشاشات وفى وسائل التواصل الاجتماعى وتؤلف القصص والروايات من صنع الخيال بغرض تشويه صورتنا عند الرأى العام، ومنهم من يتلقى مبالغ مالية مقابل هذا الدور من جهات استخباراتية دولية، ومنهم من هو موظف وعميل رسمى لدى أحد أجهزة الاستخبارات فى الخارج، ومنهم من هو مصاب بعُقد وأمراض نفسانية تجاه العسكريين غير قابلة للعلاج مهما تطور الطب. ومنهم أيضًا من يعانى مما أصبح يُعرف بمتلازمة حفتر. إنهم حفنة من الحاقدين الأغبياء، يعتقدون أنهم يؤثرون فى الرأى العام، وفى الحقيقة أن المواطن يسخر منهم جميعًا، ويجعل من شخصياتهم مثالًا للمسخرة والأضحوكة. هذا هو للأسف الإعلام المحلى، إلا من رحم ربى.
فى عام 2018، أثناء تلقيكم العلاج فى فرنسا، انتشرت شائعة على نطاق واسع بإصابتكم بوعكة صحية مفاجئة أدت إلى الوفاة، هل كانت شائعة لها أهداف سياسية فى ذلك الوقت؟ ولماذا لم تبادروا بنفيها سريعًا تجنبًا لأى ارتباك فى الأوساط الشعبية والرسمية؟ وقد لفت انتباه الجميع أن المؤسسة العسكرية لم تتأثر بتلك الشائعة.
نحن دائما نترفع عن صغائر الأمور، ولا نهتم بما يردده المغرضون الذين يسيطر الحقد والكراهية على أنفسهم وعقولهم، لأننا ندرك أن الشعب لا يصغى إليهم، ولأننا منشغلون بما هو أهم من الرد على الشائعات. هناك مثل ليبى يقول «اللى يكرهك يحلملك الحلمة الشينة». كنا نشفق عليهم كثيرًا عندما ينعقون، وكنا ندعو الله أن يهديهم إلى الصراط المستقيم. كانوا يجهدون أنفسهم من أجل النيل منا، ولكن فى جميع الحالات يجعل الله كيدهم فى نحرهم. هل سمعت يومًا شائعة أطلقتها الكرامة ضد أى من خصومها بأنه قد مات أو أصيب بوعكة صحية؟ أو أنها تشمت فى أحد من خصومها بوفاته أو مرضه؟ لا يمكن أن يحدث أمر كهذا. نحن نخجل من ذلك ونستحى، وأخلاقنا لا تسمح لنا بذلك. لأن الموت قدر والإعمار بيد الله، ولا شماتة فى الموت، والمرض من سنن الحياة. نحن نكرس جهودنا لأداء واجبنا الوطنى فى الدفاع عن الوطن، ولا يشغلنا عن ذلك شاغل، وإذا أرهقنا أنفسنا فى الردود على الشائعات فلن نجد الوقت الكافى لأداء مهامنا العسكرية، لأن شائعاتهم المستندة على الكذب والبهتان لا تتوقف أبدًا. والغريب فى الأمر أنهم لا يتعلمون الدروس ولا يستفيدون من العبر، ولا ينتبهون أن الشعب يستهزئ بهم مع كل شائعة يقذفون بها فى وسائل إعلامهم الفاشل. وها أنت تجيب عن السؤال بنفسك بأن الجيش بقى ثابتًا، ونحن لم نستغرب ذلك أبدًا لأن جيشنا تأسس على الحرفية والانضباط واليقظة والوعى، ولا يمكن أن تهزه شائعة يطلقها حاقد مختل فى عقله ومريض فى نفسه.
الدور الإعلامى للمواقع الإخبارية على منصات الإنترنت مهم وسريع الانتشار.. هل لديكم رؤية بأن يكون لثورة الكرامة موقع إخبارى إعلامى باللغة الإنجليزية ليكون مصدرًا مهمًا للشعوب الغربية فى نشر كل جديد خاصة فى مرحلة الإعمار؟
أرى أنها فكرة جديرة بالاهتمام، ولكن ليس بوسعى أن أجيب بنعم أو لا. نحن لدينا هيئة للتوجيه المعنوى ومكتب إعلامى متخصص وأطقم من الكوادر الإعلامية من ذوى الكفاءة العالية والخبرة فى هذا المجال، سنعرض عليهم الفكرة لدراستها من حيث الجدوى وما تحتاجه من إمكانيات وتقديم تصور شامل لها، وعلى ضوء ذلك نتخذ القرار.
القبائل الليبية ودورها فى الكرامة
سيادة المشير.. فى أغلب خطاباتكم كنتم تشيدون بدور القبائل الليبية وشباب المناطق الداعم للجيش. وقد شاهدنا ذلك أثناء تحرير منطقة الهلال النفطى وكذلك الجنوب وأيضًا خلال تحرير بنغازى. ما هو دور القبائل والشباب المساند أثناء معارك دحر الإرهاب؟
الدولة فى كل المجتمعات هى الغطاء الواقى للمجتمع بكامله، وهى الملاذ الذى يحتمى تحت مظلته المواطن. وهى التى تصدر القوانين التى تنظم حياته المعيشية، وهى أيضًا المسؤولة عن ضمان حقوقه، وعندما انهارت الدولة مع سقوط النظام السابق أصبح المواطن بلا غطاء، ولم يجد أمامه إلا القبيلة التى ينتمى إليها، ومن هنا برز دور القبيلة فى المشهد الليبى. والمجتمع الليبى هو عبارة عن مجموعة من القبائل، فأصبحت هى المعبّر عن إرادة المجتمع. وعندما نذكر القبائل الليبية فإننا فى الواقع نعنى المجتمع الليبى، أى الشعب الليبى. وحين غزا الإرهاب بلادنا ونكل بالشعب الليبى، ومارس ضده أبشع الجرائم شعرت القبيلة بمسؤوليتها تجاه الوطن، فى غياب المؤسسات الرسمية للدولة وفى مقدمتها مؤسسة الجيش. وإن وجدت مؤسسات فهى هشة وضعيفة ومعدومة التأثير. ولم يكن بالإمكان أن ندعو الجيش للقيام بدوره فى مواجهة الإرهاب لأنه فى تلك المرحلة لم يكن هناك جيش من الأساس، فتقدمت القبائل لتملأ هذا الفراغ. وبدأت بالتواصل معى بصورة مباشرة عن طريق مشايخها وأعيانها وحكمائها وأيضًا شبابها مطالبين بأن أقود المعركة ضد الإرهاب، متعهدين بدفع أبنائهم إلى حمل السلاح ومواجهة الإرهاب فى الميدان. وأنهم مستعدون للتضحية بأغلى ما لديهم من أجل دحر الإرهاب وإنقاذ الوطن واستعادة الكرامة بالقوة. وما إن انطلقت عملية الكرامة حتى كانت القبائل خير داعم لها، ويشمل ذلك شباب الأحياء داخل المدينة الذين لعبوا دورًا محوريًا فى القضاء على عدد كبير من الإرهابيين وسط المدينة وإجبار من بقى منهم على مغادرة الأحياء السكنية التى كانوا يختبئون فيها، والتقهقر إلى الساحات المكشوفة حيث كانت قواتنا لهم بالمرصاد، حتى تم تحرير المدينة تحريرًا كاملًا غير منقوص.
فى الفترة الأولى من الكرامة كان من المؤكد هناك شح شديد فى الأموال والسلاح.. هل ساهم المدنيون فى توفير بعض احتياجات الجيش؟
عند انطلاق عملية الكرامة لم يكن هناك جيش بالمعنى الحقيقى لكلمة جيش، هم عدد محدود من الضباط وضباط الصف والجنود ومجموعة من الشباب المدنيين، ولا توجد مؤسسة رسمية تضمهم. جمعهم هدف واحد هو مواجهة الإرهاب. ولم يكن لدينا فى البداية مصدر تمويل رسمى أو ميزانية من الدولة على الإطلاق. ولم تكن لدينا مستودعات للأسلحة. كان التمويل والتسليح ذاتيًا، كنا نجمع المال لشراء السلاح بالعلاقات الخاصة وبالتبرعات. وقد تضاعف حجم الدعم من القبائل مع انطلاق عملية الكرامة ومع بداية المواجهات مع الإرهابيين، لكنه كان أقل مما نحتاج إليه، بالنظر إلى ما بحوزة العدو من ذخيرة وسلاح ومصادر تمويل. لكن مع مرور الوقت ومع إحراز تقدم فى المعارك تحسن الوضع بسبب غنائم الحرب من الأسلحة. ولا ننكر فى وقت لاحق دور الحكومة المنبثقة عن البرلمان فى دعمنا، يضاف إلى ذلك أننا انطلقنا فى اتصالات دولية أسهمت فى تحسن مستوى التسليح لدينا. لكن ذلك لم يكن أمرًا سهلًا.
الحاضنة الشعبية كانت ولا تزال أهم سلاح لدى القيادة العامة للجيش الوطنى الليبى.. كيف تقيّم مؤشر الصعود والهبوط للحاضنة الشعبية وعلاقتها بالقيادة العامة للجيش؟
نحن بلا شك نستمد شرعيتنا وقوتنا من الشعب الليبى مباشرة، والجيش هو جيش الشعب، وقد اكتسبنا ثقة الشعب وتأييده لأننا ننجز على الأرض. الإنجازات التى حققتها القوات المسلحة هى التى رسخت ثقة الشعب فى الجيش وقيادته. الليبيون يذكرون جيدًا كيف كان حال البلاد عندما تحكّم فيها الإرهاب وسيطر على كل مناحى الحياة فيها، وحوّلها إلى جحيم، وأن الجيش هو من هزم الإرهاب، وهو وحده صمام الأمان الذى يمنع عودته من جديد. ويدركون حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقنا، ويشعرون بالفخر وبالأمان عندما يشاهدون استعراضًا عسكريًا لمختلف الأسلحة المتطورة، ويدركون عندئذ حجم الجهد الذى نبذله لبناء قواتنا المسلحة، وأننا لم نتهاون فى ذلك. الاستقرار الذى تنعم به معظم أرجاء ليبيا لم يتحقق بالصدفة أو بعصاة سحرية أو ضربة حظ، بل بما تبذله القوات المسلحة من جهد على مدار الساعة. وبفضل الجيش استطاعت مؤسسات الدولة أن تعمل بأريحية وفى إطار القانون دون أن تخشى التهديد أو الابتزاز من أى جهة، لأنها فى حماية الجيش. هذه مجرد أمثلة للإجابة عن علاقة الشعب الليبى بجيشه. وأنا أؤكد لك بأنه مهما اشتدت الظروف فإنها لا تؤثر أبدًا فى هذه العلاقة، والحديث عن مؤشر هبوط فى تأييد الحاضنة الشعبية للجيش هو محض خيال وترديد لما ينشره الإعلام المضلل.
الجيش وعملية طرابلس
فى 04-04-2019 تفاجأ العالم بهجوم الجيش الوطنى الليبى على طرابلس، دون سابق إنذار، ما هى الدوافع والأهداف لهذا الهجوم؟
أولا العملية برمتها ليست هجومًا. طرابلس تعرضت لهجوم من داخلها حين سيطرت عليها المليشيات، وتعرضت لهجوم آخر دون أن تشعر حين تسلل إليها الإرهابيون للتمركز فيها واتخاذها مركزًا بديلًا لبنغازى التى هزمناهم فيها. أما الجيش فقد توجه إليها لتحريرها وليس للهجوم عليها. وثانيًا يجب أن يكون واضحًا بأننا لا نفرق بين المدن الليبية، ونتعامل معها جميعًا بنفس القدر من المسؤولية. والجيش الوطنى الليبى هو جيش ليبيا بأكملها، يدافع عن كل شبر فيها دون أدنى قدر من التمييز الجهوى، ويكفى للدلالة على ذلك أن القوات المسلحة لا تختار منتسبيها وفقًا للمدينة التى ينتمون إليها، بل بناء على إعمارهم وقدراتهم البدنية ومؤهلاتهم الدراسية ومدى رغبتهم فى أن يكونوا عسكريين، واستعدادهم البدنى والنفسى للتأقلم والتفاعل مع الحياة العسكرية وما إلى ذلك. وإذا ألقيت نظرة على قوائم المنتسبين للقوات المسلحة فستجدها تضم ضباطًا وضباط صف وجنودًا من جميع المدن الليبية بما فى ذلك طرابلس. أى أن مسقط رأس المنتسب لا علاقة له البتة بشروط القبول بالقوات المسلحة. ومن هنا فإن مدينة طرابلس بسكانها ومرافقها وكل ما فيها بالنسبة للجيش هى مثل أى مدينة أخرى. لكنها تتميز بكونها عاصمة البلاد، وهذا يعنى الكثير. العاصمة هى عصب الدولة، وإذا أصيب هذا العصب بأى عطب فإن الدولة بكاملها تتعرض للاضطراب، ويحدث خلل كبير فى أداء واجباتها تجاه مواطنيها جميعًا أينما كانوا. مسيرة الحياة برمتها فى البلاد بأسرها تتعثر، ويُلحق ذلك ضررًا بالغًا بالمواطنين سواء من سكان العاصمة فى أقصى الشمال الغربى أو فى أى مدينة أخرى فى وسط البلاد أو فى شرقها أو فى أقاصى الجنوب، باختصار لأنها العاصمة. وهى ليست دولة مستقلة بذاتها لنتركها وشأنها. ولا يخفى على أحد الحالة التى كانت تعيشها طرابلس منذ تلك الفترة حتى الآن. طرابلس بكل مؤسساتها ومرافقها تخضع لحكم المليشيات المسلحة بصورة مطلقة. والمؤسسات السيادية وغيرها التى تدعى الشرعية والاستقلالية هى فى الواقع خاضعة بالكامل لأوامر المليشيات وليس العكس. العاصمة مقسمة جغرافيًا إلى مربعات، كل مربع يخضع للسلطة المطلقة لإحدى المليشيات. المواطن الذى تُسرق سيارته على سبيل المثال لا يلجأ إلى الشرطة، بل إلى المليشيات التى تتحكم فى المربع الذى حدثت فيه الواقعة، وهناك يتعرض لشتى أنواع الابتزاز والاستغلال. لا وجود للدولة هناك. فقط عصابات مسلحة بيدها زمام الأمور، ولديها معتقلاتها وسجونها الخاصة. تسطو وتخطف وتعذب وتفعل ما تشاء دون رادع. مليشيات مسلحة منفلتة يتضاعف حجم نفوذها مع مرور الوقت، ولا همّ لها إلا جمع المال بالتهديد والابتزاز. مئات الملايين من المال العام تصرف بلا حساب من خزائن الدولة لصالح تلك المليشيات. ألا يؤثر هذا على الوضع الاقتصادى فى كامل البلاد؟ حقوق المواطنين أصبحت فى مهب الريح أمام تغول المليشيات المسلحة. والقرارات المتعلقة بإدارة الدولة وشؤونها لا تصدر ولا تدخل حيز التنفيذ إلا بعد عرضها على تلك المليشيات للحصول على الموافقة. لقد شاهدنا بعض المليشيات تمنح رتبًا عسكرية وترقيات لعناصر تابعين لها. شىء لا يصدق، ولا يمكن السكوت عليه أبدًا. والأدهى من ذلك أنه سرعان ما يتحول خلاف بسيط بين المليشيات إلى مواجهة عنيفة بكل أنواع الأسلحة فيما بينها. قذائف بمختلف أنواعها تطلقها المليشيات عشوائيًا فى الليل والنهار دون أدنى مراعاة لما يترتب عليها من ضحايا بين المواطنين الأبرياء، ودمار شامل للمبانى والطرقات، فتتحول العاصمة إلى جحيم، إلى ساحة معارك بمعنى الكلمة. هل يمكن لأى جيش نظامى فى العالم أن يترك عاصمة بلاده على هذه الحال؟ حتى القرارات السياسية العليا التى تمس عملية بناء الدولة ومستقبلها السياسى كانت بالكامل بيد المليشيات. لقد لاحظنا هذا بوضوح أثناء المباحثات السياسية منذ اتفاق الصخيرات حتى اليوم. لا تستطيع أى مؤسسة سيادية فى طرابلس على أعلى مستوى أن تتخذ أى قرار إلا بعد الرجوع إلى المليشيات وأخذ الموافقة منها، حتى تحولت المليشيات إلى مرجعية عليا أشبه ما تكون بالمرشد الأعلى عند اتخاذ القرار السياسى. هذه هى الحقيقة التى لا يستطيع أحد إنكارها.
وليست القضية مليشيات فحسب، فبعد هزيمة الإرهاب فى الشرق والوسط والجنوب، لاذ عدد من الإرهابيين بالفرار إلى طرابلس، واتخذوا منها مقرًا ليعيدوا تنظيم أنفسهم من جديد، وهذا تهديد مباشر وخطير لأمن واستقرار البلاد. هذه العوامل مجتمعة هى التى استندنا إليها فى اتخاذ قرار توجه قواتنا إلى طرابلس ومحاصرتها. والهدف باختصار هو إعادتها إلى وضعها الطبيعى كعاصمة للبلاد، وتحريرها من قبضة المليشيات، ورفع المعاناة عن سكان العاصمة الذين ذاقوا الويلات من تغول المليشيات، وعدم إتاحة الفرصة للإرهابيين الذى فروا إلى العاصمة فى معارك الكرامة ليعيدوا تنظيم أنفسهم من جديد. نعم.. ملاحقة الإرهابيين كان من الأهداف الأساسية لتلك العملية. ولك أن تتخيل كيف يكون حال البلاد عندما تسيطر تنظيمات إرهابية على عاصمتها.
هل وضعت القيادة العامة فى حسابها أن عملية كبيرة بهذا المستوى قد تستغرق وقتًا طويلا؟
كان بإمكاننا أن نجتاح العاصمة فى غضون ساعات لولا حرصنا على سلامة المواطنين والمرافق العامة والخاصة. فالجيش الذى هزم أعتى القوى الإرهابية فى العالم من داعش والقاعدة ومن يطلقون على أنفسهم أنصار الشريعة ومجالس الشورى لم يكن عاجزًا على إبادة مليشيات لا تعرف من قواعد وأصول القتال إلا القصف العشوائى. لذا اكتفينا بتطويق المدينة من عدة محاور وفرض حصار عليها وتضييقه شيئًا فشيئًا، بهدف استنزاف المليشيات، وقد أصدرنا التعليمات الصارمة لقواتنا بعدم إطلاق النار إلا عند الضرورة، وبإمكانك أن تستمع إلى أول بيان خاص بهذه العملية، أملًا فى أن تعود تلك المليشيات إلى رشدها وتسلم سلاحها سلميًا، وقد منحناها مقابل ذلك كافة الضمانات بحسن المعاملة، لكنها لم تستجب بسبب التحريض الذى كان يمارس عليها من قبل أطراف عديدة لها مصالح مع تلك المليشيات، ومن قبل بعض الدول أيضًا التى تعمل ضد أمن واستقرار ليبيا وتضخ الأموال بلا حساب لصالحها. كنا نتعامل مع العناصر التابعة للمليشيات على أنهم مواطنون ليبيون مغرر بهم، وتأثروا بالدعاية المضللة، ومنهم من لم يبلغ سن الرشد، وقد كنا حريصين على حياتهم وهو ما أطال أمد الحصار. وقد دخلت قواتنا إلى طرابلس بالفعل، وكنا على مقربة من قلب العاصمة، لكننا قررنا الانسحاب فى الوقت المناسب لأسباب استراتيجية.
الجميع كان يتوقع سقوط طرابلس فى أى لحظة، ولكن فجأة اتخذتم قرار الانسحاب. لماذا؟
المجتمع الدولى كان يراقب ما يجرى على الأرض، وهناك بعض الدول كانت ترى أن سقوط العاصمة بيد الجيش يتعارض مع مصالحها، وهناك من بدأ بنشر الدعاية الكاذبة على مستوى دولى بأن الجيش له أهداف سياسية ترمى إلى إسقاط المجلس الرئاسى منتهى الولاية، وأنه انقلاب عسكرى على السلطة، وهناك دول أخرى رأت أن دخول الجيش إلى العاصمة قد يترتب عنه دمار شامل للمدينة، وبدأ حراك دولى مكثف يدعو بإلحاح إلى وقف إطلاق النار وانسحاب قواتنا وانطلاق عملية سياسية تفاوضية فى المقابل. وفى الوقت نفسه، بدا لنا واضحًا وفقًا لتقارير واستطلاعات استخباراتية تؤكد أن هناك قوى أجنبية بدأت تخطط عسكريًا للاستيلاء على الحقول والموانئ النفطية فى المنطقة الشرقية، مستغلة انشغال الجيش فى عملياته العسكرية فى طرابلس. كان ذلك تهديدًا خطيرًا لتلك المرافق الاستراتيجية الحيوية. وتأمل تلك القوى عدم انسحاب الجيش وعدم استجابته لمناداة المجتمع الدولى بوقف إطلاق النار لتجد الذريعة والتأييد الدولى للتدخل العسكرى المباشر ضد قواتنا، مستغلة ضعف المجلس الرئاسى منتهى الولاية، واستعداده للتوقيع على اتفاقية حتى خارج صلاحياته من أجل حمايته وبقائه فى السلطة. وفى ظل هذه المعطيات كان أمامنا خياران: إما تجاهل المطالب الدولية بوقف إطلاق النار ومواصلة العمل العسكرى والسيطرة على طرابلس، ونترك الموانئ والحقول النفطية فى شرق البلاد عرضة للاحتلال، ونعرض قواتنا فى طرابلس لمواجهة مسلحة مع قوى أجنبية تتربص لفرصة كهذه، أو أن نصدر التعليمات بالانسحاب لتأمين الحقول والموانئ النفطية ونقطع الطريق أمام القوى الأجنبية التى كانت تتحين الفرصة وتبحث عن الذريعة لقصف قواتنا تحت مظلة اتفاقيتها غير القانونية مع المجلس الرئاسى. وهنا وجبت الإشارة إلى أن أى قرار يؤدى إلى إضاعة الفرصة على العدو لتحقيق هدف من أهدافه هو فى حد ذاته انتصار. ومن هنا كان القرار بالانسحاب.
كانت هناك دعاية إعلامية مكثفة تطلقها وسائل إعلام من داخل طرابلس تصف ما حدث بأنه هزيمة للجيش الوطنى، ما ردكم على ذلك؟
إذا نظرت للعملية من زاوية الهزيمة والنصر فإن المهزوم هو من استغاث بالأجنبى لنجدته، وتنازل مقابل ذلك عن السيادة الوطنية، وأنفق المليارات من المال العام ليحميه، أما نحن فقد قررنا الانسحاب بمحض إرادتنا لتحقيق أهداف استراتيجية، وتجنبًا لأن تتطور العملية إلى حرب إقليمية. والانسحاب شىء والهزيمة شىء آخر. الانسحاب فى العلوم العسكرية هو صفحة من صفحات القتال، ولا يعنى الهزيمة على الإطلاق. ولو أن جيشنا قد هُزم لانتهى أمره، ولما قامت له قائمة، مثلما هُزم الإرهاب. لكنه باقٍ فى شموخ وتطور مستمر ويؤدى واجبه على أكمل وجه. لقد قررنا الانسحاب لتحقيق أهداف تفوق فى أهميتها الدخول إلى طرابلس، وتجنب الدخول فى صدام مع المجتمع الدولى لا يحقق لنا أية مصالح، خاصة وأن المجتمع الدولى قد طالب مقابل ذلك بفتح باب التفاوض لمعالجة الأمور. وسأضرب لك مثالًا على ذلك: هل انسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان لأنها هزمت؟ بمعنى هل كان انسحابها آلاف الكيلومترات هزيمة؟ الإجابة بالتأكيد لا. الإدارة الأمريكية رأت أن بقاءها فى أفغانستان لا جدوى من ورائه وله تكاليفه الباهظة وأنه من مصلحتها أن تنسحب، فقررت بكل بساطة الانسحاب. هذا تمامًا ما ينطبق على قرارنا بالانسحاب من طرابلس.
هل حققت عملية طرابلس أية مكاسب؟
نحن لم نتخذ القرار بتوجه قواتنا إلى طرابلس من باب الترف أو استعراض القوة. القرار كان يستند لأسباب جوهرية تمس القضية الوطنية كما ذكرت لك سلفًا. وكان واجبًا وطنيًا لا يمكن لجيش وطنى ولاؤه لوطنه أن يقصر فى أدائه. وما قمنا به أثبت للشعب الليبى أن هذا الجيش هو لكل الليبيين ولا يتردد فى أداء مهامه مهما بلغت خطورتها. وعندما تحولت طرابلس إلى ثكنة للمليشيات ووكر للإرهابيين لم نقف موقف المتفرج. العملية طمأنت أهالى طرابلس بأن الجيش الوطنى لن يتركهم إلى الأبد فريسة للمليشيات. وقد لفت ذلك انتباه المجتمع الدولى لحقيقة قواتنا المسلحة بأنها تعى مسؤولياتها جيدًا وأنها على استعداد فى أى لحظة للتوجه إلى أى بقعة فى ربوع ليبيا إذا شعرت بتعرضها للخطر، ما جعله يضع لها ألف حساب، ويتعامل معها على أنها مؤسسة نظامية احترافية جديرة بالاحترام والتقدير. لقد غيرت عملية طرابلس نظرة العالم للجيش الوطنى من أكبر الدول إلى أصغرها مرورًا ببعثة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وأدركت جميعها أن الجيش الوطنى هو الرقم الذى لا يمكن تجاوزه فى أى مباحثات سياسية أو غيرها تمس القضية الليبية وهذا يعنى بصورة مباشرة استعادة السيادة الوطنية. لقد سارع المجتمع الدولى بالدعوة إلى حوار سياسى كنتيجة لعملية طرابلس وتم إجراء الحوار السياسى فى جنيف وأسقط المجلس الرئاسى وشكّل ما يعرف بحكومة الوحدة الوطنية، وبصرف النظر عن أداء تلك الحكومة، لكن التغيير كان ضرورة حتمية فرضته عملية طرابلس. وعلى الرغم من أن المليشيات فى طرابلس والسلطة التى تدعى الشرعية هناك، التابعة للمليشيات، مازالت تسيطر على العاصمة بسبب الحرص الدولى على معالجة الأمور سلميًا، لكننا واثقون بأن هذا الوضع لن يدوم، وسيأتى اليوم الذى تتكسر فيه قيود طرابلس، وينعم أهلها بالحرية والتنمية، تحت مظلة ليبيا الواحدة، مثلما هو الحال فى المدن التى قضينا فيها على الإرهاب.
الإعمار وبناء الدولة فى عهد الكرامة
بعد اعلان توقف القتال فى منتصف عام 2020 اتجهتم لملف الإعمار وزادت الوتيرة بشكل ملحوظ بعد إعصار دانيال المدمّر، وما سبّبه من خسائر خاصة فى مدينة درنة وبدأت ثورة إعمار مستمرة على قدم وساق فى جميع المدن الليبية التى يسيطر عليها الجيش الوطنى الليبى. هل ترى سيادة المشير أن التوقيت لبدء الإعمار كان مناسبًا؟
أهم شرطين لانطلاق عملية التنمية والإعمار هما الأمن والاستقرار، وما أن تحقق هذان الشرطان بفضل القوات المسلحة لم يكن بوسعنا الانتظار. ننتظر ماذا؟ نحن نؤمن بالإنجاز على الأرض، ونحرص أشد الحرص على عدم إضاعة الوقت، نحن نسابق الزمن فى كل ما نقوم به، لأن البلاد مرت بسنوات لم تتعطل فيها الحياة فحسب، بل تراجعت إلى الخلف، ما دفعنا إلى مضاعفة الجهد لتعويض ما فات واللحاق بما وصلت إليه أمم كثيرة من تقدم فى جميع الميادين. وعلى الرغم من حجم الأمن والاستقرار الذى تحقق على الأرض لم تكن مسيرة البناء والإعمار سهلة، نتيجة الأزمة السياسية المركبة التى تعيشها البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، ولم يكن بوسعنا أبدًا أن ننتظر الحل الشامل للأزمة السياسية التى تزداد تعقيدًا مع مرور الوقت. كان علينا أن نبدأ رغم كل التحديات، وها هى الإنجازات تتحدث عن نفسها بنفسها.
كان حلمكم دائمًا يتعدى الواقع وبإرادة قوية وحكيمه يتحقق المستحيل… كيف حدث كل هذا الإعمار فى هذا الوقت القياسى؟
إن ما تشاهده من تنمية وإعمار فى وقت قياسى كما ذكرت، هو فى مراحله الأولى فقط. ليس ما تحقق على أرض الواقع فى مجال التنمية والإعمار هو كل شىء. مازال الطريق طويلًا، وطموحاتنا لا حدود لها. نحن عازمون على النهوض بليبيا إلى أعلى مراحل التقدم والتطور فى جميع المجالات، ولدينا من الكفاءات والطاقات البشرية ومن الموارد الطبيعية بفضل الله ما يجعل من ليبيا فى مقدمة الدول فى كل القطاعات. ستشهد ليبيا خلال السنوات القليلة المقبلة بعون الله ثورة حقيقية فى مجال الإسكان والزراعة والطرق والمواصلات والتعليم والصحة وغيرها تحقق للشعب الليبى ما يطمح إليه من عيش كريم ومن رفاهية وأمن واستقرار. ثورة الكرامة لها رؤية بعيدة المدى، ولا تنحصر فقط فى هزيمة الإرهاب. القضاء على الإرهاب كان نقطة الانطلاق إلى بناء مستقبل مزهر، إلى بناء الدولة العصرية الحديثة بكل ما تعنى هذه العبارة القصيرة من معنى عميق.
المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبى.. المحارب الصلب تشرفت بالحوار معكم فى كثير من الأوقات خلال المعارك العسكرية وخلال أحد الحوارات سيادتكم ذكرت بالنص (قلبى يبكى دمًا على كل شهيد، ولكنها ضريبة الكرامة والحرية) وكانت عيناك بها نظرة القائد القوى الواثق من نفسه. شاهدناك فى الاحتفال بافتتاح ملعب بنغازى وعيانك بها دمعة لم تستطع إخفاءها. هل كانت دمعة محبوسة على الشهداء أم لحظة إنسانية استرجع فيها الذهن شريط الأحداث التى مرت بها الكرامة؟
ما أذكره هو أننى كنت فى قمة السعادة أثناء حضورى الاحتفال الذى أشرت إليه، ولم أشعر أن عينيّا قد أدمعتا. وإذا حدث ذلك فإنها حتمًا لم تكن دموع حزن.
وأخيرًا وليس آخرًا.. متى يكتب سيادة المشير مذكراته؟ وإذا كانت إجابتكم بالموافقة، أتمنى وأتشرف وأطمع أن أنال شرف تسجيلها وكتابتها وصياغتها لسيادتكم.
لم يخطر ببالى التفكير فى هذا الأمر إطلاقًا. ولكن إذا ما قررت ذلك فسيكون موكولًا لك. (الأنباء الليبية)