الجبل الأخضر 01 سبتمبر 2025 (الأنباء الليبية) – يُمثل منطقة الجبل الأخضر في ليبيا، واحدًا من أهم النظم البيئية وأكثرها تنوعًا في البلاد، لما يمتاز به من موقع استراتيجي وتضاريس متنوعة جعلته ملاذًا طبيعيًا للنباتات والحيوانات البرية.
إلا أن هذا الإرث البيئي الثمين يُواجه اليوم تحديات جسيمة تهدد استدامته، أبرزها الحرائق المتكررة، والأنشطة البشرية غير المستدامة، إلى جانب التغيرات المناخية التي تزيد من هشاشة النظام البيئي.
غطاء نباتي وطني
ويشرح الدكتور السنوسي صالح بالحمد، عضو هيئة التدريس بكلية العلوم البيئية بالمرج ورئيس قسم الموارد الطبيعية، أن الجبل الأخضر يمتد بين دائرتي عرض 31° و32° شمالًا وخطي طول 21° و23° شرقًا، ويحدّه شرقًا هضبة البطنان وغربًا سهل بنغازي، بينما تلامس أطرافه الجنوبية الصحراء الكبرى.
وتتميز المنطقة بتضاريس متعددة تشمل المساطب، الحافات، والأودية التي تصب شمالًا في البحر المتوسط وجنوبًا نحو منطقة البلاط، فيما تبلغ أعلى قمة فيها، “سي الحمري”، أكثر من 880 مترًا عن سطح البحر.
ورغم أن الجبل الأخضر يُمثل نحو 1.3% فقط من مساحة ليبيا، إلا أنه يضم أكثر من 60% من الغطاء النباتي الوطني، بما يقارب 1100 نوع نباتي من أصل 2050 نوعًا مسجلًا في البلاد، بينها 75 نوعًا متوطنًا لا يوجد في أي مكان آخر في العالم، مما يجعله منطقة ذات أهمية استثنائية على المستوى البيئي.
ويؤكد بالحمد أن هذا الغطاء النباتي يعتبر من أهم الموارد الطبيعية المتجددة لدوره في حماية التربة، الحد من التصحر، المحافظة على التوازن البيئي، ودعم التنوع الحيوي، غير أن هذا النظام البيئي يتعرض لضغوط متزايدة.
من أبرز هذه الضغوط الرعي الجائر، الذي يؤدي إلى تراجع الأنواع الشجرية الطويلة واستبدالها بنباتات حولية أقل قيمة بيئية، إضافة إلى قطع الأشجار لصناعة الفحم والحطب، والتوسع العمراني والزراعي غير المخطط، إلى جانب تذبذب الأمطار وفترات الجفاف الطويلة الناتجة عن التغير المناخي.
وأوضح أن مؤتمر الأمم المتحدة للتصحر عام 1977 أكد أن التصحر ظاهرة بشرية في الأساس، إذ يؤدي انقراض الغطاء النباتي إلى فقدان التربة لخصوبتها، وارتفاع معدلات التعرية المائية والريحية، وانخفاض التنوع الحيوي.
وتؤكد الدراسات الميدانية، مثل الدراسة التي أجراها بالحمد في منطقة جردس، حدوث تحول في بنية الغطاء النباتي، حيث ارتفعت نسبة النباتات الحولية إلى 44.7% مقابل انخفاض الأشجار الطويلة إلى أقل من 6%، مما يشير إلى اختلال كبير في النظام البيئي المحلي.
أضرار الحرائق
وقد شهد الجبل الأخضر سلسلة حرائق واسعة النطاق في النصف الأول من عام 2025، خلّفت أضرارًا بالغة على الغطاء النباتي والحياة البرية.
ووفقًا لتقرير منظمة الحياة لحماية الكائنات البرية والبحرية، المحال إلى وزارة البيئة بالحكومة الليبية، فإن هذه الحرائق تسببت في خسائر كبيرة، وربما تستغرق المنطقة عقودًا للتعافي الطبيعي.
ففي 26 مايو 2025، اندلع حريق في وادي الكوف نتيجة اشتعال النفايات المتراكمة شمال الطريق العام، وامتدت النيران مع حركة الرياح الجنوبية الغربية إلى أحد الأودية الفرعية، لتلتهم مساحة تقارب 20 هكتارًا، وقد تأثرت أصناف نباتية مهمة مثل العرعر، البلوط، البطوم، الشماري، الخروب، الزهيرة، القندول، والشبرق.
وفي 29 مايو، وقعت حرائق أخرى في منطقة ترت داخل محمية الشماري، بسبب أنشطة بشرية، ما أدى إلى احتراق أشجار الشماري والبطوم، وتضرر خلايا النحل، ونفوق بعض الحيوانات البرية، وهو ما انعكس سلبًا على الغطاء النباتي الممتد من زاوية ترت حتى لملودة.
أما في 11 يونيو، فقد رُصدت أضرار واسعة في أشجار الصنوبر والسرو غرب مدينة البيضاء، ما فاقم من حدة التدهور البيئي وأثر بشكل مباشر على التنوع الحيوي المحلي.
خطر الزوال
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن فقدان الغابات في شمال إفريقيا يساهم في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تتراوح بين 10 و15% سنويًا، مما يعزز من ظاهرة الاحتباس الحراري.
وفي ليبيا تحديدًا، تشير التقديرات إلى أن الغابات فقدت نحو 30 إلى 35% من مساحتها خلال العقود الثلاثة الماضية، بينما تُظهر التقارير المحلية أن تدهور الغطاء النباتي يرفع معدلات التعرية المائية والريحية بنسبة قد تصل إلى 40% في مناطق الجبل الأخضر.
كما أظهرت دراسات حديثة أن الأشجار المحلية المقاومة للجفاف مثل العرعر الليبي وأنواع الشماري، تتناقص بشكلٍ مُقلق، في حين تتسارع الزراعة غير المستدامة والرعي الجائر في القضاء على أنواع نادرة ومهددة بالانقراض.
وقد أكد تقرير منظمة الحياة، الذي تحصّلت “الأنباء الليبية” على نسخة منه، أن التعافي الطبيعي للمنطقة قد يستغرق عقودًا، ولذلك يوصي بعدة تدابير عاجلة من بينها إعادة التشجير بالنباتات المحلية المقاومة للجفاف، وحماية التربة عبر إنشاء حواجز طبيعية أو صناعية للحد من التعرية، إلى جانب إدارة الحرائق بإنشاء أنظمة إنذار مُبكر باستخدام تقنيات حديثة أو الأبراج التقليدية (الفورستارية)، فضلًا عن نشر الوعي البيئي بين المجتمعات المحلية بمخاطر الحرائق المفتعلة والأنشطة غير المستدامة، وتطبيق قوانين صارمة لمنع إشعال الحرائق والصيد الجائر وقطع الأشجار، وإنشاء محميات طبيعية مغلقة تحظر الرعي والأنشطة الضارة تمامًا لضمان استعادة التنوع البيولوجي.
ويُشدّد الخبراء على أن حماية الجبل الأخضر تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تشمل مراقبة الغطاء النباتي عبر الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بعد، وتنفيذ برامج تشجير واسعة النطاق، وإنشاء محميات طبيعية فاعلة، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية من خلال تقديم بدائل اقتصادية للرعي وقطع الأشجار.
كما تُشير التجارب الدولية في المغرب وتونس إلى نجاح برامج التشجير وإعادة تأهيل الغابات من خلال تمكين السكان المحليين وربط الحفاظ على البيئة بتحسين سبل العيش، وهو نموذج يمكن لليبيا الاستفادة منه.
وفي ختام التقرير، يؤكد الدكتور السنوسي بالحمد أن الجبل الأخضر ليس مجرد مساحة خضراء، بل هو رئة بيئية حيوية تساهم في توازن المناخ المحلي، وتعزيز المياه الجوفية، والحفاظ على التنوع البيولوجي.
ويُحذر من أنه إذا استمر التدهور بالمعدل الحالي، فإن ليبيا قد تخسر إرثًا طبيعيًا لا يقدّر بثمن، يصعب تعويضه مستقبلاً.
ويخلص إلى أن الوقاية وإدارة النظم البيئية ضرورة ملحة، ليس فقط للحفاظ على الغابات، بل لضمان استدامة الحياة في الجبل الأخضر، وحماية السكان المحليين من مخاطر التصحر وتدهور البيئة الذي يهدد الأمن الغذائي والمائي في المنطقة.
فهل سنستيقظ قبل فوات الأوان لإنقاذ الجبل الأخضر، أم سيصبح هذا الإرث الطبيعي مجرد ذكرى في صفحات التاريخ البيئي لليبيا؟ (الأنباء الليبية – الجبل الأخضر) ر ت
تقرير: هدى الشيخي