شحات 05 أغسطس 2025 (الأنباء الليبية) ـ يُعد معبد زيوس الكبير أحد أعظم المعالم الأثرية بمدينة قوريني (شحات حاليًا)، بل ويُصنف كواحد من أروع الإنجازات المعمارية في العالم القديم. اكتُشف المعبد عام 1861م، إلا أن الدراسات العلمية المتعمقة حوله لم تبدأ إلا في عام 1927م، بعدما لفت أنظار المستكشفين الأوائل بحجمه الضخم وأهميته التاريخية والمعمارية.
وشهد المعبد بين عامي 1926 و1942م عدة حملات تنقيب، فيما تعود بداية الترميم إلى عام 1957م، عندما أعاد الجيش البريطاني بناء عمود ونصف من هيكله الفريد، في محاولة لإبراز معالم هذا الأثر الضخم الذي ظل شامخًا رغم تقلبات الزمن.
لحظات تاريخية
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المؤرخ الإغريقي هيرودوت وثّق مرور الجيش الفارسي عام 515 قبل الميلاد بمدينة قوريني، وخيّم حينها على «تل زيوس»، ما يؤكد الأهمية الاستراتيجية والرمزية للموقع عبر العصور.
وتُرجح الدراسات أن تاريخ بناء المعبد يعود إلى الفترة بين 500 و480 قبل الميلاد، حيث بُني على منصة ضخمة بأبعاد 70 × 32 مترًا، متجاوزًا في حجمه معبد زيوس في أولمبيا، ومقاربًا في فخامته معبد البارثينون في أثينا. وقد شُيّد من الحجر الجيري المحلي مع استخدام تحسينات بصرية متقدمة، أبرزت دقة العمارة الإغريقية بنمطها الدوري الكلاسيكي.
واليوم، تحتفظ مخازن آثار شحات بعدة قطع رخامية من هذا التمثال الأسطوري، مثل أصابع الأيدي والأقدام العملاقة، إضافة إلى رأس زيوس بالحجم الطبيعي الذي أُعيد ترميمه من أكثر من مئة قطعة، في واحدة من أعجب عمليات الترميم الأثرية بالمنطقة.
تفاصيل مهمة
وفي تصريح لوكالة الأنباء الليبية قال أحمد عيسى أستاذ الآثار بجامعة عمر المختار: “إن معبد زيوس يُعد شاهدًا حيًا على تميّز العمارة الإغريقية في شمال إفريقيا، ويعكس الأهمية الثقافية والدينية لقوريني في التاريخ القديم. اليوم، يُعد المعبد كنزًا أثريًا يحتاج إلى مزيد من أعمال الحماية والصيانة ليستمر في رواية قصة حضارة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ”.
وتُعد أبعاد الأعمدة وحجم كتلها من أبرز شواهد عظمة البناء، إذ يزن التاج الواحد مع الكتل العلوية حوالي 17 طنًا. كما تضمّن المعبد نقوشًا لاتينية ضخمة، من بينها نقش مرتبط بإعادة ترميمه في عهد الإمبراطور أغسطس.
ورغم تعرّضه للدمار أثناء الثورة اليهودية عام 115 ميلاديًا ثم انهياره جزئيًا بفعل زلزال مدمر عام 365 ميلاديًا، إلا أن عمليات الترميم استمرت، إذ تثبت النقوش أن «ميناندر» أشرف بين عامي 185 و192 ميلاديًا على بناء منصة خلفية ضخمة، وُضع عليها تمثال ضخم لزيوس مطابق للأصلي الذي نحته فيدياس في أولمبيا.
ويشير الباحثون إلى أن التدمير اللاحق للمعبد والآثار الحمراء داخل جدرانه يرجّحان تعرّضه للحرق والتخريب المتعمّد خلال العقود الأخيرة من القرن الرابع الميلادي، مع انتشار الديانة المسيحية وتجريم الممارسات الوثنية.
ورغم ذلك، لا يزال المعبد حتى اليوم يقف شامخًا بآثاره الباقية، شاهدًا على حضارة مزجت بين الأسطورة والفن والهندسة، في واحدة من أروع الصفحات التي ترويها قوريني القديمة للعالم. (الأنباء الليبية ـ شحات) ه ع
تقرير: نور الهدى العقوري