بنغازي 16 يوليو 2025 (الأنباء الليبية) – على أطراف الصحراء الشرقية تنفرد زاوية مسوس بتاريخها وحيدة، بعيدة عن ضجيج المدن تروي بِفخر فصول التاريخ ، بينما تحتضن رمالها رفاة المجاهد الأردني ” نجيب الحوراني” وشيخها”عمر الأشهب” وأطلال بيت “ابن السنوسي” تُباهي بهم كل من ولج أبوابها أو مـر بها عابرا.
مُتكئا على ما تبقى من أطلالها يحدثنا، الحاج محمد بوعقيلة العوامي، أحد قُدامى المعلمين في ليبيا، بفخر ماضٍ مشحون بالوقائع الصاخبة، عن تاريخ زاوية مسوس وتأسيسها ويبرز لنا أهم المحطات التي وقفت عندها ويبين أثر وجود هذه الزاوية في المنطقة.
بدأ العوامي حديثه حول تأسيس زاوية مـسوس قائلاً: “كان الوطن في حاجة مُلحة لمنابر العلم كي تكبح جماح الجهل والتخلف فانطلقت الزوايا تُنير عُتمة الجهل حيث استضاءت مدينة البيضاء بأول زاوية تُنشأ في ليبيا عام 1841، والتي يُطلق عليها ” الزاوية الأُم ” لتستقطب طلبة العلم وتصبح منارة يهتدي بنورها التائهون.
وأضاف الحاج محمد عقيلة أن زاوية مسوس تأسست كثامن زاوية على مستوى ليبيا ووكل بإدارة شؤونها عدد من المشايخ بينهم شيخ يُدعى، افهيد العقوري، خلفه الشيخ الشريف أمقرب، ثم الشيخ عمر الأشهب، ليبقى طيب أثرها في المنطقة إلى هذه اللحظة متجسداً في حملة القرآن من شبابها المتنافس على حفظ القرآن وتعلمه.
وأوضح العـوامي أن دور الزاوية لم يقتصر على تعليم القرآن الكـريم والفقه والعلوم الشرعية فحسب بل أوكل إليها فض النزاعات وتسوية الخلافات التي كانت تنشب بين القبائل إلى جانب تنظيم المعاملات التي تحتاج أن يتوسط فيها قاضٍ أو كاتب عدل بين الطرفـين.
وتابع سرده قائلا: ” في عام 1980 هبطت طائرة عمودية بمنطقة مسوس تقل على متنها ضابطا أردني الجنسية زار ليبيا ضمن وفد رسمي وبعد الترحيب بمن كانوا على متنها أخبرونا أنه علينا أن نقودهم إلى قبر (نجيب الحوراني) وهو ضابط أردني استشهد أثناء التصدي للاحتلال الفاشستي الإيطالي بالقرب من مسوس عندما كان ضابطا برتبة ملازم في صفوف من تبقى من الجيش العثماني جلبه مجاهدان من المنطقة لُيدفن بجوار الزاوية.
واستطرد: “وصلنا مكان القبر حيث أخبرنا الرجل أنه الأخ غير الشقيق لـ (الحوراني) وطلب لقاء أحد المجاهدين الذين رافقوا الضابط الأردني المجاهد ليُطلعه عن آخر أيامه نزولاً عند رغبة ابنته فأبلغناه بما علمنا من أسلافنا أن الراحل عرف قبل وفاته أن جرحه لن يمهله طويلا فأمر أصحابه أن يتركوه حتى لا يلحق بهم الفاشيست الإيطاليون لكنهم رفضوا وأصروا على نقله حتى بلغوا به مقبرة مسوس القديمة حيث دفن”.
وروى العوامي فصلا تاريخيا مهما عندما كشف أن وصول الغزاة الايطاليين إلى مسوس حتم على القيادة العُليا للجهاد أن ترد عدوانهم مبينا أنه في عام 1914 وصل القائد العام لأدوار الجهاد، احمد الشريف، إلى مسوس لُيشرف بنفسه على المعارك المحتدمة في محيط زاوية مسوس ما منحها بُعدا تاريخيا مميزا.
وختم العوامي حديثه قائلا: ” رغم توالي الأحداث وتقلب الأزمنة لازالت زاوية مسوس أُنس حديثنا ومصدر فخرنا وعزنا ينبعث من أركانها روائح القرآن الزكية وعبق ماضي الأجداد فهي الموروث الذي لا يقدر بثمن”.
تقع زاوية مسوس، وهي قرية في شرق ليبيا، إلى الجنوب الشرقي من مدينة بنغازي بحوالي 130 كيلو متر، وتبعد عن بلدة سلوق في نفس الاتجاه بحوالي 80 كيلو متر.
وتقول المصادر التاريخية إن عدة معارك جرت في هذه القرية إبان فترة الغزو الفاشستي الإيطالي لليبيا، من بينها معركة جرت يوم 03 مارس 1914، بين قوات الاحتلال الفاشستي، وقوات المجاهدين المنسحبة من معركة الشليظيمة. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: عبد السلام المشيطي
-تصوير: أحمد البدري