بنغازي 14 يوليو 2025 (الأنباء الليبية) – يعد اضطراب طيف التوحد حالة نمائية تبدأ في السنوات الأولى من عمر الطفل، وتؤثر على قدرته في التواصل والتفاعل الاجتماعي، مع ظهور سلوكيات متكررة واهتمامات محددة.
وتختلف الأعراض من طفل لآخر، مما يتطلب فهما مبكرا ودعما متخصصا لتحسين ظروف حياتهم وتطورهم.
في ليبيا، تسلط قصص أسر أطفال التوحد الضوء على فجوة واضحة في الرعاية والخدمات، حيث تعاني العائلات من نقص المراكز المتخصصة وغياب الدعم النفسي والمجتمعي، ما يجعل الحاجة إلى التوعية والاحتواء أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
-ناقوس الخطر
بصوت مثقل بالحزن، تتحدث أم الطفل “عبدالله المبروك المجبري” الذي عثر على جثمانه في إحدى بحيرات بنغازي بعد اختفائه لأربعة أيام، خلال شهر مايو الماضي، عن ألم الفقدان الذي مزق قلبها، وعن معاناته مع اضطراب طيف التوحد.
تقول بحرقة: “تمنيت لو كانت هناك برامج توعوية حقيقية قبل أن أفقد عبدالله… كنت سأفهم أكثر عن سلوك الهروب لدى أطفال التوحد”.
وتوضح أن عبدالله كان يهرب إلى الأماكن التي يحبها دون إدراك للخطر، حيث اعتاد الخروج من المنزل كلما وجد الباب مفتوحًا.
تضيف: “كان يذهب إلى محل المواد الغذائية ليأخذ كيكته المفضلة، ثم يمر بالملاهي القريبة من بيتنا، نجده هناك يلعب… كان يحب الأماكن التي يعرفها ويشعر فيها بالفرح”.
لكن غيابه الأخير لم يكن كسابقه، فالأيام الأربعة التي فقدت فيه الأسرة أثره تحولت إلى كابوس انتهى بصدمة العثور عليه متوفيا.
قصة عبدالله تظهر ألم الكثير من الأسر، وتدق ناقوس الخطر حول ضرورة التوعية بسلوكيات أطفال التوحد، خاصة سلوك الهروب المتكرر والخطر.
-التنمر وغياب الدعم المجتمعي
تروي والدة عبدالله بأسى توجيها تلقته من أحد معلميه في المركز: “كان أستاذه يقول لي: دعيه يشعر بالخطر… يجب أن يتعلم الخوف عندما يخرج وحده، دعي أحدا في الشارع يعيده للمنزل”.
لكنها تضيف بصوت يملأه الحزن: “قدر الله وما شاء فعل، رحل عبدالله وترك فراغا كبيرا في البيت… كأن عشرة من أطفالي توفوا معه، كان كالملاك، والبيت أصبح كئيبا بغيابه”؛ كلماتها تحكي وجعا لا يحتمل وألما لا ينسى.
توجه أم عبدالله دعوة صادقة لتوفير مراكز متخصصة ومتكاملة لأطفال التوحد، مؤكدة أن الدعم المتاح حاليًا لا يرقى لحجم المعاناة.
وتعبر عن خيبة أملها من غياب المراكز العامة المجانية، وتقول: “كنا بحاجة لمراكز عامة تُفرغ طاقاتهم وتدعمهم، بدل المراكز الخاصة باهظة التكلفة”.
وتشدد على أهمية توعية المجتمع للتعامل باحترام، مضيفة: “نعاني من التنمر، خاصة عند خروجنا من المنزل… نحتاج من يفهمنا، لا من يهاجمنا”.
-ظاهرة عالمية لا تستثني أحدا
علقت المتخصصة في التربية وعلم النفس بجامعة بنغازي فايدة الورفلي، على قضية الطفل عبدالله، مؤكدة أن سلوك الهروب لدى أطفال التوحد ليس ظاهرة محلية أو عربية، بل عالمية.
وقالت الورفلي: “هناك دراسات تشير إلى أن 49 في المائة من أطفال التوحد يهربون مرة واحدة على الأقل في حياتهم، وبعضهم يكرر السلوك عدة مرات، ما يشكل خطرا كبيرا على سلامتهم.”
وأوضحت الورفلي، أن سلوك الهروب غالبا ما يعود إلى العجز عن التواصل، خاصة لدى من يعانون من تأخر لغوي، حيث لا يستطيع الطفل التعبير عن احتياجاته، فيلجأ إلى الهروب دون وعي بالمخاطر التي قد تهدد حياته.
-اللوم الجاهز: الأم أولا
انتقدت المتخصصة التربوية النظرة الاجتماعية القاصرة التي تُلقي باللوم فورا على الأسرة، وخصوصا على الأم، عند فقدان طفل التوحد.
وأضافت بأسف: “عندما يضيع الطفل، يُوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى الأم وكأنها أهملت، دون أن يدرك الناس حجم الثقل النفسي والاجتماعي الذي تحمله هذه الأسر يوميا”.
وأكدت على ضرورة تحويل الخطاب المجتمعي من التوبيخ إلى الدعم، ومن الإدانة إلى التفاهم والتقدير.
-فجوة مؤسساتية وغياب ثقافة الدمج
تطرقت الخبيرة النفسية إلى معاناة أولياء الأمور مع المؤسسات التعليمية، مشيرة إلى أن الكثير من المدارس ترفض دمج أطفال التوحد تحت ذرائع واهية.
ونقلت عن بعض الحالات قول المؤسسات لأهالي الأطفال: “ولدك مزعج، وغير قادر على التواصل… لا نستطيع قبوله.”
وتساءلت الورفلي: “أين التوعية؟ وأين ثقافة الدمج؟ هذه مشكلة تربوية خطيرة تتطلب تدخلا عاجلا”.
-احتياج نفسي لأمهات أطفال التوحد
شددت أيضا على أهمية تقديم خدمات إرشادية ونفسية مستمرة لأمهات أطفال التوحد، مشيرة إلى أن الدراسات النفسية تشير إلى ارتفاع معدلات التوتر والاكتئاب بينهن.
“بعض الأمهات يصلن إلى حافة الانهيار… الدعم النفسي ليس ترفا بل ضرورة يومية.”
-الحلول موجودة… مع غياب التطبيق
لفتت الاخصائية التربوية والنفسية إلى وجود حلول فعالة طبّقتها بعض الدول المتقدمة، مثل: إنشاء سجل وطني لأطفال التوحد، وتدريب رجال الأمن على كيفية التعامل معهم، كذلك استخدام بطاقات تعريف تُثبت على ملابس الطفل، مع توفير أجهزة تتبع (جي بي إس) لمساعدة الأسر على تتبع أماكن أبنائهم.
وأضافت: “هذه الإجراءات ليست كماليات، بل ضرورة لحماية حياة أطفالنا. نحتاج لإرادة حقيقية لتطبيقها.”
-دعوة للفهم والاحتواء
اختتمت المتخصصة في التربية وعلم النفس فايدة الورفلي حديثها بالقول:“عبدالله ليس الأول، وقد لا يكون الأخير، هروب التوحدي ليس مجرد سلوك عابر، بل نداء استغاثة صامت، نحن بحاجة إلى أن نفهم، ندعم، ونحتوي، قبل أن نفقد المزيد”. (الأنباء الليبية) س خ.
-اعداد ومتابعة: بشرى الخفيفي
