بنغازي 09 يوليو 2025 (الأنباء الليبية) -في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها: الذكاء الاصطناعي، ما كان قبل عقود ضربا من الخيال العلمي، أصبح اليوم واقعا نعيشه في تفاصيل الحياة اليومية، بدءا من المساعدات الصوتية والروبوتات التفاعلية، مرورا بالتشخيص الطبي وتحليل البيانات، وصولا إلى قيادة السيارات ذاتيًا، وتنظيم المدن عبر أنظمة ذكية.
هذه الثورة الرقمية التي تعرف عالميا بمصطلح “AI” تزداد عمقا وتأثيرا، ما يدفع دول العالم إلى إعادة النظر في بنيتها التقنية والتعليمية والقانونية. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بإلحاح في العالم العربي عمومًا، وفي ليبيا خصوصًا: هل نحن مستعدون؟
بمفهوم بسيط، الذكاء الاصطناعي هو قدرة البرمجيات والآلات على “التعلم” و”اتخاذ القرار” بأسلوب يحاكي الذكاء البشري، ويستند إلى تحليل كميات ضخمة من البيانات، ما يمكّنه من تحسين أدائه بمرور الوقت دون تدخل بشري مباشر.
-مواقف متباينة
أجرت وكالة “الأنباء الليبية” استطلاعا شمل آراء عدد من الشباب والعاملين في القطاعات المهنية حول الذكاء الاصطناعي، فظهرت آراء متباينة بين الحماس للمستقبل والتحفظ من المجهول.
سارة خالد، طالبة هندسة، عبّرت عن تفاؤلها قائلة: “أشعر أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح أمامنا فرصا غير محدودة، خاصة في مجالي التعليم والطب، لكنه أيضًا قد يأخذ منا وظائفنا إذا لم نطور أنفسنا.”
في المقابل، بدا مفتاح عبدالجليل، موظف في قطاع الخدمات، أكثر تحفظا: “أخاف أن يتم الاستغناء عن البشر في كل شيء، أرى أن الذكاء الاصطناعي رائع، لكن أين الإنسان من كل هذا؟”
أما على المستوى المهني، فقد اتسمت الآراء بقدر أكبر من الحسم؛ عبد الجليل صالح، رئيس مجلس إدارة منظمة اليسر، قال: “نحن لا نملك رفاهية التأخير. إدماج الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارا بل ضرورة وطنية لبناء اقتصاد معرفي، بشرط أن ندمجه بأخلاقيات تحفظ الإنسان وتحمي خصوصيته.”
من جهته، أكد الإعلامي أسامة المجبري أهمية احتضان الكفاءات الوطنية: “ليبيا تملك طاقات شابة وذكية، لكنها تحتاج إلى اهتمام فعلي من الدولة، إن لم نبدأ الآن، فسيتسع الفارق مع العالم أكثر.”
-بين التحديات والفرص
رغم ما تتيحه هذه التقنية من إمكانيات، فإن الطريق أمام تطبيق الذكاء الاصطناعي في ليبيا لا يخلو من عقبات حقيقية؛ حيث يحمل الذكاء الاصطناعي في ليبيا فرصا واعدة لتطوير القطاعات الحيوية، أبرزها التعليم من خلال منصات ذكية وتفاعلية تسهم في سد الفجوة التعليمية، إلى جانب تحسين الرعاية الصحية عبر تقنيات التشخيص الذكي، خاصة في المناطق النائية، وكذلك عن دعم ريادة الأعمال بتمكين الشباب من أدوات تحليل البيانات والابتكار.
في المقابل، تواجه هذه الطموحات تحديات كبيرة، من أبرزها غياب تشريعات واضحة لحماية البيانات، مما يهدد خصوصية المستخدمين ويقوّض الثقة بالتقنية، إلى جانب ضعف البنية التحتية الرقمية في عدة مناطق، ومحدودية الثقافة الرقمية لدى شرائح واسعة من المجتمع، ما يستوجب تحركًا وطنيًا شاملًا.
-من الاستهلاك إلى الريادة
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم أمام كل فرد ومؤسسة في ليبيا هو: هل نريد أن نكون مجرد مستهلكين للتقنيات المستوردة؟ أم روادا في صناعتها وتوجيهها نحو خدمة مجتمعنا وتعزيز هويتنا الوطنية؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تبنى على الحماس وحده، بل تتطلب مقومات حقيقية وعملية، وأول هذه المقومات هو وجود إرادة سياسية واعية، تسهم في صياغة تشريعات حديثة تنظم الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنيات، وتوفر بيئة محفزة على الابتكار. يلي ذلك نظام تعليمي متطور، يُعيد تشكيل مناهج التعليم بما يعزز مهارات التفكير النقدي، والبرمجة، والعلوم التطبيقية، ويؤهل أجيالًا قادرة على الإنتاج والتطوير لا الاستهلاك فقط.
أما الركيزة الثالثة، فهي الوعي المجتمعي، الذي يجب أن يكون ناضجًا ومستنيرًا، يدرك أهمية التكنولوجيا دون أن يفقد بوصلته القيمية، ويحرص على تحقيق توازن بين الحداثة والخصوصية الثقافية.
وبين الطموح والواقع، يقف الذكاء الاصطناعي كأحد أكبر التحديات والفرص التي تواجه ليبيا في القرن الحادي والعشرين. فهل نملك الجرأة على أن نصنع مستقبلنا التكنولوجي بأيدينا؟ أم سنقف على الهامش نراقب العالم يتغير من حولنا؟
الجواب يكمن في ما نقرره اليوم… لا في ما نؤجله للغد. (الأنباء الليبية) س خ.
-اعداد: حنان الحوتي
