بنغازي 06 يوليو 2025 (الأنباء الليبية) – داخل ورشة صغيرة في أحد أحياء بنغازي، يجلس خالد، خريج معهد تقني، وقد غطى وجهه مزيج من التركيز والتعب. هذه الورشة التي أقامها بجهد فردي لا تعكس ما كان يحلم به يوم حمل شهادته، بل تمثل محاولته للبقاء بعد أن سُدَّت في وجهه أبواب العمل.
يقول خالد لصحيفة الأنباء الليبية، وهو يتحدث بنبرة يملؤها الإحباط، إنه تعب ودرس وتخرج، لكن كل فرصة عمل يصادفها تشترط وجود خبرة، والخبرة – كما أضاف بأسى – لا يمكن أن يكتسبها دون أن يُمنح الفرصة أولاً، مشيرا إلى شهادته المعلّقة على الحائط، كأنها تذكار لحلمٍ لم يتحقق.
ورغم أن التعليم التقني والفني يُعد رافداً حيوياً لتغذية السوق بالكفاءات المتخصصة، إلا أن الواقع الليبي يطرح تحديات حقيقية، إذ تكشف المؤشرات عن فجوة متزايدة بين مخرجات هذه المعاهد واحتياجات سوق العمل، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة في أوساط الشباب، وخصوصاً خريجي التعليم التقني.
ضعف الإمكانيات ونظرة المجتمع
يؤكد مدير مكتب المعاهد الفنية المتوسطة المهندس جمال محمد المسماري، ببنغازي في حديثه لصحيفة “الأنباء الليبية”، أن مسألة توافق مخرجات التعليم التقني مع متطلبات السوق لا تزال “محل تساؤل”، مشيراً إلى أن معالجة هذا الخلل “تحتاج إلى دراسات مستفيضة من وزارة العمل والجهات الاقتصادية لتحديد التخصصات المطلوبة فعلياً”.
ويرى المسماري أن غياب هذه الدراسات يجعل عمل المعاهد “أشبه بالتحرك في الظلام”، في ظل ضعف الإمكانيات، وافتقار الورش للتجهيزات الحديثة، وغياب التحديث عن المناهج والمواد التعليمية.
ولم يغفل المسماري عن تحدٍّ آخر، يتمثل في عزوف الطلبة عن الالتحاق بهذه المعاهد، نتيجة النظرة الاجتماعية السلبية للتعليم التقني، إضافة إلى ضعف التوعية المجتمعية بدوره في خلق فرص عمل حقيقية، قائلاً: “نحتاج إلى تغيير الصورة الذهنية لدى الناس، فالمعاهد التقنية ليست خياراً ثانوياً، بل ركيزة أساسية لأي اقتصاد منتج”.
ريادة مكبّلة وطاقات مُحبطة
ورغم التحديات، يؤكد المسماري أن هناك نماذج ناجحة لشباب خريجين تمكنوا من إطلاق مشاريعهم الخاصة، معتمدين على المهارات المكتسبة خلال فترة دراستهم. إلا أن غياب الدعم المؤسسي، وقلة فرص التدريب العملي، لا يزالان عائقين أمام توسيع هذه التجارب وتحويلها إلى ظاهرة وطنية.
ويضيف المسماري بأسف “لدينا كوادر قادرة على تقديم مشاريع متكاملة داخل المعاهد، لكن هذه المبادرات غالباً ما تبقى حبيسة الأدراج بسبب نقص التمويل والدعم العملي”.
من جهته، أوضح مدير إدارة الموارد البشرية والتدريب بوزارة التعليم التقني والفني الدكتور عياد عمران الفرجاني، أن الوزارة تدرك وجود الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وتعمل على سدّها من خلال “تحديث المناهج، وإطلاق برامج تدريب عملي بالتعاون مع الشركات العامة، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص”.
وأشار الفرجاني إلى أن الوزارة تبنت سياسة تهدف إلى “ربط مؤسسات التعليم التقني بالمؤسسات الإنتاجية، وتوفير الإرشاد المهني للطلبة لاختيار تخصصات ذات جدوى فعلية، بما يسهم في تقليص معدلات البطالة بين الخريجين”.
بين الواقع والطموح: الحاجة إلى رؤية وطنية
يرى مختصون أن ما تحتاجه ليبيا اليوم هو رؤية استراتيجية واضحة للتعليم التقني والفني، تُبنى على دراسات سوق دقيقة، وتُنفذ من خلال تضافر الجهود بين وزارات التعليم والعمل والاقتصاد. فالمعاهد لا يمكنها أن تشتغل بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، كما أن سوق العمل لا ينتظر خريجين غير مؤهلين لمتطلباته التقنية المتسارعة.
ولا تقتصر الحاجة على تطوير المناهج والمعدات فحسب، بل تمتد إلى ضرورة تغيير النظرة الاجتماعية لهذه المؤسسات التعليمية، وتقديم حوافز مادية ومعنوية تجذب الطلبة إليها، فضلاً عن تفعيل دور الإعلام في إبراز قصص نجاح الخريجين ودعمهم كقدوات يمكن أن يحتذي بها الآخرون.
وحتى يتحقق الربط الفعلي بين التعليم وسوق العمل، تحتاج المعاهد التقنية إلى دعم فعلي وتمويل مناسب، وشراكات حقيقية، واعتراف مجتمعي بأنها مفتاح رئيسي لخلق اقتصاد إنتاجي وليس استهلاكياً.(الأنباء الليبية) ك و
متابعة: أحلام الجبالي